موسى الرمو يكتب: اﻷمير أبو السودة



جمع صور لمشاهير الرياضة وحفظ أسماءهم مثل ( مارادونا ورومانيگا وزيكو ويوهان كرويف وفلاح حسن جاسم يعگوب وشكوحي وكردغلي ) لم يجعل مني رياضيا أبدا ولا حتى مشجعا ناجحا..!! 
فأنا لم أخلق إلا ﻷكون فنانا.. فألعابي وتسليتي كانت بالطين أو بالرسم فقط.. كان لعبي بغير هذا فاشلا بامتياز فلم أصب ولا مرة (گلة) ﻷحد ولم أفز بهذه اللعبة. حتى أن اصبعي اﻹبهام لا ينحني للخلف ليشكل قوسا ليحتضن (الگلة) مع السبابة فكنت دائما خاسرا ورفاقي هم الكاسبون.. 
مرة اشترى والدي لي (دلم) من خشب وكان نادرا ما يكون من الخشب ويعتبر موديلا قديما فقد انقرض بعد ظهور (دلم) البلاستيك ذي المسمار المدبب والحاد و(دلم) الخشب كان ألطف ومسماره أخف حدة وألين وغير مؤذي للأطفال..
لم يعجبني وقتها وصرت أبكي ورفضت اللعب به خفت أن يستهزئ بي أطفال الحي وأقنعني أهلي به وكوني لم يكن لدي خيار آخر حملته وخرجت لكي ألعب مثل كل اﻷطفال الذين كانوا مجتمعين في الحديقة القريبة من منزلنا أخفيته ﻷن كل اﻷطفال لديهم (دلمات) ملونة.. أخرجته من جيبي وأبقيته بيدي مخفيا حتى لا يراه أحد.. كان اللعب حاميا واﻷصوات تعلو والصراخ والضحك والتشجيع وكأنهم في حلبة مصارعة لدرجة أن بعض الاطفال من شدة ضرباتهم تتناثر قطعا من الطين والبحص على الواقفين كانت اللعبة عبارة عن (دلم) يكون باﻷرض وباقي الاطفال يشكلون دائرة حوله ويلفون (دلماتھم) بالخيطان ويضربون (الدلم) الذي باﻷرض بكل قوتهم. فجأة نظر أحد اﻷطفال إلى (دلمي) كان هو اﻷشرس من بين كل أطفال المنطقة وحجمه أكبر من حجمنا جميعا
ونظراته حادة قوية وله حاجبان سوداوان كثيفان وأنفه مرفوع للأعلى يلقبونه (أبو السودة) أو ( اﻷفنص ) ويلعب حافيا كان له شعبية كونه ملما بكل اﻷلعاب ويتقنها وكثير ما يغش باللعب.. مرة صلخ قطة وهي مربوطة ومعلقة وأحرقها.
ومرة رش على جرو صغير بنزين وأشعل النار به. 
قال: ماهذا الذي بيدك هل هو (دلم) تعال والعب معنا.. تقدمت قليلا وكنت خجلا فقال: أنه من الخشب؟ وأكمل: هيي يا شباب تعالوا وأنظروا إنه من الخشب فاجتمعوا جميعا واستغربوا من شكل الدلم. تقدم وأخذ الدلم دونما سؤال وجربه دون أن يطلب الاذن مني واندهش الكل قال إنه جميل ورائع.
قال بوزان: هل تبدلني بهذا إن عمي شاهد مثله قبل سنوات في عين العرب وقال هل تبيعني إياه. 
قال باسيل: من أين اشتريته لكي أشتري منه فوالدي سوف يذهب لزيارة أقاربي في السليمانية في حلب وسوف أطلب منه أن يشتري لي واحدا.. وقتها عرفت أنني أمتلك (دلما) جميلا ويجب الحفاظ عليه.. ضربت معهم ولم أصب الهدف كوني لست متمرسا فقال (أبو السودة ) جاء دورك ضع (دلمك) على اﻷرض وضعته لكنني كنت مترددا وخائفا على (دلمي) فهو اﻷجمل واﻷميز من بين جميع (الدلمات) وضعته وكأنني وضعت قلبي على اﻷرض لف أبو السودة خيطه القطني السميك على (دلمه) ونظر إلي بإبتسامة زائفة وأستنشق ما كان بأنفه ورفع يده اليمنى كادت أن تلامس الشجرة ورفع قدمه اليسرى وعض على لسانه وصرخ صوتا قويا مع إطلاق (دلمه) كالصاروخ فأصاب دلمي في وسطه محدثا به ثقبا كبيرا كان اﻵخرون يضربون بشكل عادي لا يؤثر على (دلمي) بقيت ساكتا فلا يجوز أن أتراجع فهذا مخالف ﻷصول اللعبة وربما لو أخذت (دلمي) لن يلعبوا معي مرة أخرى.. كنت أشعر أن الضرب في جسدي.. شعرت وكأن دلمي يصرخ ويتألم ويستغيث بي فقد سمعت صراخه بقلبي ولا زال أبو السودة مستمر بضربه.. شعر الجميع بضعف دلمي وأدركوا أنه يجب اللعب (بدلمات) مثله وبنفس نوعيته توقف الجميع إلا (أبو السودة) 
قال: ( بس هالضربة ) ضربة واحدة فقط حاولت التهرب فلم ينفع.. لف خيطه وقفز إلى اﻷعلى وصرخ مع الضربة بقوة وضرب ضربته و فلق (دلمي) نصفين وتناثرت خشيبات منه وطار مسماره فكانت نهاية (دلمي).
كبرنا وتغيرت ألعابنا بشكل كبير أصبح باسيل ميكانيكيا ناجحا وفتح ورشة في الصناعة و
وصل صيته الى حلب وفتح بوزان محلا لبيع زينة السيارات فهو أول من فتح مشروعا ونحن شباب وهو أول من إمتلك مزرعة في أول عمره.
اما (ابو السودة) أصبح أميرا بعد خروجه من السجن واستولى على بيت باسيل وأعطى بيت بوزان لصديقه المهاجر وباع المزرعة وأشترى بثمنها سيارة فاخرة ومر بها على مشغلي كان مطلقا لحيته مرتديا قناع أسود وممسكا مطرقة وبدأ بتكسير منحوتاتي قائلا النحت حرام اتق الله.. هل تذكر (دلم) الخشب يا موسى.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق