أناس الكنوني يكتب: سور المعكازين


سور المعكازين لم يسم بهذا الاسم عبثا، بمجرد أن تصعد له من شارع موريطنيا أو تنزل إليه من شارع بولفار أو من ناحية شارع المكسيك حتى تصطدم بحشد من المتسكعين هناك على صور، منهم من ولى وجهه جهة البحر يراقب الشاطئ أو يرقب السفن وهي تحط بالميناء بعد أن قطعت مسافات طويلة من البلدان الأوروبية، وهناك من تراه يحملق فيك محاولا معرفة شيء ما يدور في عقلك ..
لم أكن أدري ما السر وراء تسميته بهذا الاسم، لكن عندما وقفت بساحة صور المعكازين تبادر إلى ذهني مباشرة أن كلمة معكاز توافق هؤلاء الذين لا شغل لهم سوى مراقبة الصاعد والنازل عبر الشارع، قليل جدا منهم من كان مولي ظهره تجاه الشارع العام ويحملق جهة البحر، لم يثرن شيء جديد هناك إلا بعدما سمعت أخي ينادي علي ويقول لي؛ اذهب وقف هناك أمام المدفع لآخذ لك صورة تذكارية تحتفظ بها بعد مغادرتك لمدينة طنجة..
فعرفت للتو أنه تراث قديم قيم وجب علي أخذ صورة إلى جانبه كما يفعل السائح الأجنبي، عندما لمسته بيدي تبادر إلى ذهني أنه يمكن أن يكون مدفع عثماني أتى من المشرق، وقد يكون أغرق عدة سفن حربية للعدو الإفرنجي والقوطي أثناء شن حروبه على شمال المغرب بغية احتلال مدينة طنجة والثأر من أحفاد طارق ابن زياد وموسى بن نصير.. ولا بد أنه أزهق أنفس، وشهد كتابة التاريخ وتزويره مرات عديدة لتعارضه مع مصلحة التبعية للإسبان الحديدي والغرب الأوروبي بشكل عام ..
كم هو عظيم هذا المدفع لكثرة الأسرار التي يحتويها بكثرة احتوائه للقنابل والبارود ومجموعة من المواد الكيماوية المشتعلة عبر التاريخ، ولا زال شاهرا فوهته نحو البحر باتجاه اسبانيا وأروبا عامة، كأنما يريد إخباري بسر لم يفقه شفرته الكثير من أولائك الذين صعدوا على ظهره وحملوه من مكان إلى مكان آخر، كما تحمل الكراسي والمناصب مما هو أدنى إلى ما هو أعلى بهذه البلاد.. و لعلهم أخذوا عددا لا يحصى من الصور معه، ليس مثلي بغية الاحتفاظ بها للذكرى وإنما لغرد آخر أجهله ..
أما أنا عكسهم تماما، احترمته لكونه يحمل تاريخا شجاعا مبصوما على فلاذه، فكان من أدب أخذ صورة معه أن أضع يدي عليه بلطف تحسسا لوجع كل رجل غيور على بلده وأبناء بلده، وتحسسا لتاريخ سرق منا كما سرقت الأندلس والجزر، فعلمت حينها أن المدفع لم يخن الهدف ولا التاريخ أخطأ تعليم أحفاده، كلاهما ظلا ثابتا على مبدء في التصدي للعدو والاحتفاظ بمضمون التاريخ محشوا في الذكرى، عكس الحكام الذين خانوا الأندلس عندما غرتهم الدنيا، وغرتهم كنوز علي بابا التي لم يحملوا معاولا للحفر عليها، لقد غرتهم جنة الأرض فأثاروا فسادا فيها، فضيعوا جنة الأرض واحتفظوا بالفساد جيلا بعد جيل ..
أتساءل كيف يستحق جنة السماء من لم يحافظ على جنة الأرض؟ وحل بعدهم جيل العكز والخمول بدءا من رأس الأفعى، فما كان إلا سمي بسور المعكازين بعدما أن كان سور البوارق والفرسان و الصالحين والمحبين ..
وقفت برهة بعدما أن رمقتني بعض الأعين بشيء من الغرابة والطفولية الزائدة والزائغة، فأطلقت نظري إلى البحر مومئا لهم بعدم اهتمامي و اكتراثي لتصرفاتهم المثقلة بالعكز، ومحاولا أن أختزل المسافة التي يمكن أن يصيب بها هذا المدفع الهدف التاريخي الذي أعيدت صياغته ليطابق تبرئة المتهم من المنسوب إليه تاريخيا، فعرفت بحكم ارتفاع مكانه أنه قادر على التصدي للعدو إذا ما لم يجاوز ارتفاعه و قوته، فتذكرت حينها أنواع المدافع التي تستخدم في الحروب الداخلية والخارجية، ووقفت بمخيلتي عند مدفع يعرف بإطلاق دخان أسود يعمي بصائر قلوبنا وعقولنا ويعكس التاريخ في عمق ذاكرتنا، فتذكرت هؤلاء المعاكز الجالسين على هذا السور، فهم لا ذنب لهم في هذا العكز الذي حل بهم، لو كان هناك متسع لغير العكز في هذا البلد ما وجد العكز، إن هذا العكز الذي يملأ هذا السور وباقي أسوار مدننا نتيجة سموم البطالة التي تفشت في هذا الشعب. تنفست بعمق محاولا استنشاق أكبر كمية ممكنة من هواء البحر النقي المفعم بالحقيقة الذي يحاذي المكان ويستريح على أسوارها متعبا، ثم جلت بفكري في المحيط ..
كيف كنا وكيف أصبحنا، اختفى البوارق والأبطال ولا زال المدفع يذكر بشجاعتهم وعزهم وفخرهم وبطولتهم وعدلهم وإحسانهم.. وظل جيل من الفاشلين. هل نستطيع نحن أن ننتج تاريخا مثل الذي مضى؟  كأن المدفع يشتاق ويشده الحنين إلى الماضي الجميل، وقلبي مثله يشقه الحنين ويشدني إلى ما قبل ولادتي وإلى ما قبل ماضيي الذي لا نكهة له.. لكن مصادقة لرغباتي الدفينة المستوحاة من تاريخ قادم استبشرت فيه خيرا، قلت مخاطا هذا السور والمدافع التي توجد به؛ ذهب الرجال وسيأتي رجال فاختر لنفسك إما أن تكون منهم أو تكون جالسا على سور من أسوار مثل هؤلاء المعاكز الفاشلين ..

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق