أمل عربي تكتب: كن أبا ولكن كأبي

























التعليم الجامعي أو حتى أي درجة علمية أخرى، كل هذا لا يخلق منك أبا سليم الفكر، سوي النفس قادرا على تربية جيل يقبل على الحياة بكل ما أوتي من مظاهر القوة، مخطئ من ظن أن الأب الذي لم يذق حلاوة العلم فهو غير قادر على تربية جيل سليم الفطرة خاليا من مظاهر التشوه النفسي والبيولوجي.

رفقه، لينه، رقة قلبه، رزانة عقله، وسموّ تفكيره؛ لقد بلغ من ذلك كله المدَى الذي هيَّأه لهذا الفيض من حبنا لهُ وحب الناس من خلال تعامله معنا ومعهم، حقًا أبي لم يكمل تعليمه ولم يقرأ عن فن تربية الأبناء ولا عن بر الآباء شيء ولكنّه بقيَ على فطرته السليمة التي أسْبغت عليه كل هذه الرفعة بيننا. وحسْب إنسان أن يحرز هذه الفضيلة، ليأخذ مكانه العالي بين الأبناء والناس أجمعين.

الفِطْرة النقية التي نولد بها نادرًا ما نحافظ عليها لنبقى أسوياء كما خلقنا، إنما نسعى جاهدين لأن ندرك غبار الجاهلية المظلمة حتى نشعر بالنشوة بخديعة أنفسنا على أننا أصبحنا كبارًا قادرين على تحمل مسؤولية زواج وأولاد مصيرهم مرتبط بعقلية الأب ونمط تفكيره وأسلوبه في التعامل معهم فيما بعد.

يسخر البعض من أبي أحيانًا لأنه حقًا بارٌ بنا؛ بلطف المعاملة وطيب الشعور، يظنُّ أنه هكذا أبٌ ضعيف لم يضع الأمور في نصابها وعليه أن يكون فظا غليظا حتى نحترمه ونقدره! مسكين والله؛ لم يعِ أنه على كل الآباء أن يتعاملوا مع أبنائهم مثل أبي حتى لا تتسع رقعة التشوه النفسي التي أصبحت ويكأنها ''موضة العصر'' وكل هذا خلفه نتاج التعامل السيء والتفكير العقيم.

فلا الحسبُ ولا الشباب ولا المكانة الرفيعة ولا الأموال ولا القوة، لا شيء من هذا كله يؤهلك لأن تصبح أبا بكل مرادفات الكلمة. إنما فقط تفكير ناضج، وصدق في العقيدة والمبادئ، ونفس قنوعة متواضعة لا تعرف طريقا للكبرِ في التربية. بل يعتقد بعض الآباء أنه مذنب إن لم يستخدم سلطته الحازمة في التعامل وحتى في تحديد مستقبل الأبناء بحجة ''أنا أدرى منك بحكم الخبرة، أنا بخاف عليك وعارف مصلحتك فين!'' وهذه مسؤولية تحتمها عليّ الوظيفة الأبوية!

يتعامل جزء آخر من الآباء بغلظة وحدة شديدة في المعاملة مع أولاده بينما في محل عمله أو في أي مكان غير الذي يقطن به، تراه شخصا هينا لينا ويكأنه لم يعرف طريقا للغضب قط! ولا يظهر اللين لأبنائه ظنًا منه أن هذا تصرف سليم يحسد عليه  لا يدري أن المقت أول البغض وآخره.

آباء الأجيال الماضية أخرجوا لنا أجيالا من أحسن الأجيال قاطبة ما ضرهم والله قلت التعليم، إنما يضرك أن تكون متعلما بحق ولم تعمل بعلمك وقدر معرفتك عن التربية السليمة، كالبهيمة ترعى مع الخنازير وتأكل من روثها!

إلى ذلك الأمي الذي علمني ما لم تعلمني إياه الجامعة، الذي ترتسم على وجهه تعابير الشيخوخة الهادئة، ويبدو على ثغره بسمة متهالكة يدللنا بها بعد يوم شاق حتى لا يعكر صفو ليلتنا، رحم الله ظمأه في الهواجر، وبرّه بأبيه وبنا.


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق