محمود العكري يكتب: نيتشه وحكمة الإغريق الأولى



إن العودة إلى الإغريق تمثل مغامرة لابد من سبر أغوارها، انطلاقا من تبجيل تلك الأفكار الغنية التي قدموها لنا الفلاسفة القدامى والتي انبنى عليها العالم المعاصر كله فضرورة العودة المستمرة لهذه الحقبة بالضبط، تشكل بالدرجة الأولى اكتشاف نمط تفكير معين ونمط حياة لابد للباحث أن يتطلع على ما فيها مستمدا منها ما يروي عطشه، مكتشفا فيها ذلك الخيط الرفيع الذي لطالما ظل متماسكا صامدا في وجه كل الهجمات التي تعرض لها على مر العصور.
لقد استطاع الشعب الإغريقي تجاوز كل الشعوب الأخرى، في كونه قد قام بتحديد تلك اللحظة المناسبة للتفلسف، مسلحا بالإبتهاج الغامر الذي يسببه النضج الرجولي المتين والمنتصر، أو بعبارة أخرى، منتشيا بلحظة العافية. فانبثق عن هذا الفكر العلمي المرح الصافي والمكتفي أيضا، ذلك المجرى العظيم الذي نطلق عليه اسم الفلسفة الإغريقية. ومن هنا فمن الطبيعي أن نجد الفلسفة الإغريقية محط أنظار الكثير من الفلاسفة الذين قدموا بعضها، وعلى رأسهم نيتشه الذي ينظر إلى الحكماء الإغريق من طاليس إلى سقراط نظرة احترام كبير إذ يصفهم بالعمالقة الذين نسجوا الخطوط العريضة للعبقرية الإغريقية، وذلك بالرغم من اعترافه بتأثر هؤلاء الحكماء بالفلسفات الشرقية السابقة عليهم ولكنهم كانوا جديرين بالإعجاب لكونهم استطاعوا هضم ثقافات الشعوب الأخرى وذلك لعدم اكتفائهم بمجرد الاستيراد وفقط، فعرفوا بذلك كيف يلتقطون الرمح من حيث تركه شعب آخر لكي يلقوا به إلى أبعد . فالفلسفة إغريقية بقدر ما بلغت في اليونان للمرة الأولى، شكلها الأعلى و أظهرت قوتها الحقيقية و أهدافها التي لا تخلط بتلك الخاصة بالشرق . فكان حكم الفلاسفة الأوائل على الحياة والوجود حكم غني بالمعاني، لأن الحياة التي شاهدوها كانت ذات امتلاء مفرط، ولم يكن وحي المفكر عندهم مضللا ومشتتا بين رغبة الحرية والجمال والحياة، وغريزة الحقيقة التي تتمحور حول سؤال قيمة الحياة وهكذا منح الإغريق وجود الفيلسوف شرعيته والفلسفة شرعيتها فهم الوحيدين الذي لم يكن الفيلسوف في نظرهم مذنبا . تجدر بنا الإشارة في مدخل هذا الباب إلى مفهوم التراجيديا، والأصل اللغوي لهذا المصطلح، وذلك قبل أن ندخل في تفاصيل الموضوع، أي التراجيديا كفن للحياة عند نيتشه. يتم تعريب كلمة تراجيديا كما هي أو يتم ترجمتها بكلمة مأساة وهي ذات أصل يوناني مركبة من جزأين هما: " تراخوس " التي تعني العنزة و" أوديا " التي تعني الأغنية وبتركيبهما ينتج المعنى التالي: " الأغنية العنزية". والعلاقة بين العنزة والتراجيديا كفن أدبي ومسرحي عند اليونان القدامى، تتمثل في أنه كانت تقام منافسات مسرحية احتفالية والفرق المسرحية الفائزة تجازى بمعزة. وهناك تفسير آخر يقول أن أفراد الكورس أو الجوقة التي تنشد في المسرحيات، كانوا يلبسون ثياب من جلد الماعز. فالتراجيديا هي إذن جنس أدبي وفني ويمكن ملاحظة هذا من عناوين أشهر المسرحيات التي كان موضوعها مستمدا من الأساطير اليونانية القديمة، وهذا ما عبر عنه أحد شعراء المسرح التراجيدي حين قال: " إننا نعيش على فتات مائدة هوميروس ". وقد شاع استعمال كلمة تراجيديا عند الكثير من الناس، وفي الغالب ترد للدلالة على الحوادث المفزعة التي تثير الرعب في نفس الإنسان كأن نعبر عن انهيار مسكن على ساكنيه أو تحطم مركبة براكبيها، إلى غير ذلك من الحوادث بأنها تراجيديا مرعبة أو مأساة حزينة. فالتراجيديا كعمل فني مسرحي ما هي إلا وليدة قوتين، هما القوة الديونيزية المنتشية والأبولونية الحالمة، ومن هنا تجدر بنا الإشارة إلى السؤال الأهم في هذا الصدد وهو: على ماذا يعبر بالضبط الفن التراجيدي؟ وهذا اعتمادا على أن فن المأساة حسب نيتشه يعبر عن السؤال الأهم للفلسفة، وهو السؤال المرتبط ب: " معنى الوجود ". فالإنسان اليوناني حسب نيتشه قد اكتشف أن ظاهرة المأساة تمكننا من إدراك الطبيعة الحقيقية للواقع فالمأساة نشأت عن بصيرة نافذة أدركت عبث الوجود ورهبته، وعن يأس عميق يتيح لعنصر الجمال في المآسي العظيمة توليد المرح الديونيزوسي الكافي لإنقاذ الإنسان. إن أفظع شيء نقوم به إزاء الأساطير اليونانية القديمة هو السخرية منها مثلما فعل الميتافيزيقيون اللاحقون في إشارة واضحة من نيتشه هنا إلى رجال الدين خاصة المسيحيين منهم، الذين شنوا هجمات على الوثنية اليونانية، ومن هنا فالأسطورة بالنسبة لنيتشه تمثل الخير المستنير والمشرق في حضارة اليونان وما عدا هذا الخير الخلاق هناك فقط أماكن العتمة والظلام. وإذا كانت الأسطورة هي المادة المسرحية التراجيدية، فإنها تقدم في صيغ وأشكال متعددة منها الشعر والتمثيل والموسيقى، وهذا العنصر الأخير يمثل الأهمية القصوى في المسرحية والحياة بأكملها، لأنه " دون الموسيقى تغدو الحياة خطأ، الإله نفسه يرتل الأناشيد ". وكل هذه الأشكال المختلفة تجعل المسرحية التراجيدية جامعة لضروب فنية متعددة والمبدأ الجامع بين هذه العناصر السابقة الذكر أي الأسطورة، الشعر، التمثيل والموسيقى هو النازع الإحساسي الانفعالي أي الاندفاعات الشعورية العارمة غير الخاضعة لرقابة العقل و حدود المنطق، فهناك تناسب طردي بين الإحساس والتراجيديا أي كلما نظر الإنسان إلى الواقع من زاوية نزوعية و شعورية، نما وتفتق إحساسه التراجيدي و العكس صحيح. وما يمكن فهمه من هذا التحديد السابق أن الوسط الملائم لكل ما يتصل بالتراجيديا هو الجانب اللامعقول للإنسان، فلا يجب أن نطلب من التراجيديا أن تقدم لنا ما هو معقول وواقعي أو ما هو صحيح بالمعنى المنطقي، فالشاعر التراجيدي هو الأخ بالرضاعة للكذب، أو كما يقول هوميروس: " إن الشعراء لكذابون كبار". ولا يسعنا مع نيتشه إلا أن نصف هوميروس بالروعة والسمو لأن ما خلفه من أناشيد وأشعار، تعتبر المادة الأولية والخام لكل الأعمال التراجيدية الأصيلة هذا وإذا كانت الحياة تتصف بصفات مرعبة فهدف نيتشه كان هو تبرير طبيعة الوجود ولم يجد سوى الفن كوسيلة لهذا التبرير، في حين أن الدين والفلسفة بمعناهما التأملي النظري، وحتى الأخلاق لا تستطيع تبرير الحياة بصورة ملائمة لأن هذه الفروع الثلاثة من المعرفة تشترك في خاصية واحدة و هي العقلنة. في حين أن التبرير الملائم للحياة يكون بقبولها كما هي وفي صورتها المرعبة والفظيعة، ويتم ذلك عن طريق إيجاد آلهة أرضية تتشبث بالحياة رغم مرارتها وليس مثلما يفعل الإنسان النظري والديني والأخلاقي، وهذا يبدو جليا في الأشعار الهوميرية حيث نجد أبطالا يعبدون الحياة ويتصارعون وتدخل معهم الآلهة في هذا الصراع وتقوم بتذكيته، وذلك عن طريق التحالف مع البشر ضد الآلهة الأخرى أو العكس. إن الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحقق الفن المأسوي هي الفن، لأنه تجاوز للواقع كما هو موجود، لذا يكون الفن دواء للمعرفة، ولا تكون الحياة ممكنة إلا بفضل أوهام الفن، بما أن الجنون والخطأ هما شرطا العالم العقلي والحسي فنتيجة الصدق تكون هي القرف والإنتحار، وبالتالي فالفن هو الدواء المناسب الذي يساعد على تجنب مثل هذه العواقب.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires: