رانيا ڨمداني تكتب: شِيزُوفرِينيَا


بِخُطى مُثقلة و وَجهٍ مُشوّه و نزيف لَزج و رُوح مُختنِقة كَعفرِيتٍ داخِل القَمقم ، أسِير وحيدَة بينَ جَنباتِ الصّمت و وخزِ الإِبر ، أكَادُ أفقِدُ ما تبقّى لِي من نَفسْ ، أسقُطُ تارة ً و أنهضُ أخرى للوصُول إلى اللاشئ ، تائهة بَين أحراشِ الغابْ و صَوت الحيوَانات المفتَرسة التي لَن تُخِيفني بَعد الآن ، و كَيف تُخيفُني ؟ و أنا فَقدتُ شَريانَ الإحساس الذي يتدَفّقُ منه المَوتُ بين أصَابعي ، كبستُ فَرامل ذرّات القُوة لِأستعِيد طُولي من جَديد ، و دَعست على الألَم الذي كان سببُه ضَربةً قوِيّة على الرّأس ، مِمّا جعلَني أفقِدُ ذاكِرتِي ، حاوَلتُ الإختِباءَ بينَ خَفايَا الحَياة و أعشَاشِها عَلّني أجِدُني هناك ، و بين دَهاليز العَالم السُّفلي بحثتُ عن طَريقة لِأوقِف بِها الحُفر العمِيقة في جَسدِي ، و التي حتمًا ستُؤدي بي إلى نِهايةٍ محتُومة ، سألتُ نفسِي من أنا؟ ، لكنّ الإِجابَات خانتنِي و تَركتنِي آكلُ الفَراغ فيِ زاوِية مُقرفة من العَالم ، حَاولتُ أن أبكِي لِأُجهضَ دمعَةً أسنِدُ عليهَا رُوحِي الثّقيلة دون جَدوى ، و شعَرتُ بِخوفٍ عمِيق من الطّوفان الذي سيَنفجِر داخِلي دون مُنقِذٍ لي ، أصبَحتُ حقًا وحيدة ... لا إسم ولا هُوية أرَى بَصيص الأمل فِيهما ، ماذا سَأفعل الآن؟  ، هل أختَفي إلى مكانٍ ما ورائِي حيثُ لا يُمكن للطّيور الوصُول إلى جُثّتي؟ ، أم أنام طوِيلاً ... للأبد ، لكن صَوتٌ خَافتٌ يقول لِي : لاَ تتوقّفي" ، أُجاري عَنادِي الأبله و أتّجه صَوب المَجهول.


المنبِّهُ يَرن .. إستَيقَظتُ مُسرعة ، هَا أنا مُجدّدا مُتأخّرة ، لم يَعُد بِحوزتِي الوقتُ حتّى لِتَسريح شَعرِي المجعّد ، فَتحتُ النَّافِذة لِأرى تسلُّل الضّوء من خلفِ الجِبال ، حملتُ حقِيبتي المُستطيلَة المُزركشة التي أهدَاني إيّاها أبِي في عيدِ مَولِدي، فَلطالمَا فَرِحتُ بالهدَايَا كَفطيمٍ لم يَتجاَوز الحولين ، خَرجتُ إلى الشّارِع بِوجهٍ متجهّمٍ كَالعادة ، مَررتُ بِبائع البِقالة الجَالِس أمام دكّانه ، ألقيتُ عليهِ التحيّة فردّها بِإبتِسامة ، بِالرّغم من التّجاعيد التي أكلت وَجههُ إلاّ أنّ قَلبه يَنبِضُ بالحيَاة مِثل آلةٍ حديثَة للتّو تمّ تمزِيق الأشرِطة عَنها .. ، هروَلتُ بالإتّجاه الآخرِ للطّريق نحو الجَامعة ، سُحقا .. متى تَنتهِي هذه الإمتِحانَات اللعينة لقَد أثقلت كَاهلي المُهتَرء .
أكملتُ يومي في تعاطِي السّخافات و خوض المُجاملات الكاذبة ، و عُدت و أنا أسِيرُ بِخُطواتٍ ثابِتة مُتجنّبةً النّاس و آرائهم
و فجأة .. لَفت نَظرِي دُكّان شاحِبٌ لِبيع الكتب ، دَفعنِي فُضولي القوي لِأكشفَ خبايَاه ، دَخلتُ بِحذر كان قَديمًا جدًا فَقد أكلهُ الغُبار بِشراهة ، رُفوفه مُتهالكة عليهَا نَزَرٌ مِن الكُتب ، نظَرتُ إلى شِمالي فإذا بِعجُوزٍ جالِسة فوق كُرسِيّ مفقُوءَة عَينيها اليُسرَى و على خَدّها نُدبة غَريبة ، تنظرُ إليّ بِنظَراتٍ مُرعبة ، بِخوفٍ شديد كَتمتُ أنفَاسِي المُتسارِعة ، و تلفّظتُ بِكلمَاتٍ لِتلطيف الجو دون فَائِدة ، أحسَستُ أنّني أعرِفُها منذ عُقود! ، أهل تُبادِلني نفسَ الشُّعور؟ ، لِما تنظُرُ إليّ هكذا! ، تَجاهَلتُ المَوضوع و ذهَبتُ ناحية الكُتب ، لَمحتُ كِتابًا ذَهبِي اللون لا يَحمل عُنوانًا! ، كان غَامضًا جدًا ، ما أن مدَدتُ يديّ لِأحمِله فإذا بِصَوت العجُوز يَقتطِعني ... أُتركِيه! ، نظرتُ إليها مُستغربَة ، قالت : هذا الِكتابُ ليس لِأمثالِك و لاَ هذا المكان ، لِذا أُخرجي حاااالا ، .. ليسَ لِأمثالي! ، قُلت بِصوتٍ لا تكادُ تسمعه ، ما بَال هذه العَجوز الشّمطاء! ، أتَرانِي رَضيعة أم ماذا؟ ، ألا ترى أنّها هي من عليها إلتِزام الفِراش و إنتِظار الأجل! ، نَظرتُ إليهَا بِغضبٍ و قُلت سآخُذه ، لكنّها لم تُعرنِي إهتِمامًا .. فزَاد غَضبِي ، إنّها تستَفزُّني حقًا ، فما كان عليّ إلا أن أضع الكِتاب في مِحفظَتي ، نَظرتُ إليها فوجَدتها تَقرأُ كِتابها الذي أكلَه الدّهر ، و قُلت في نَفسي أنا لستُ سارِقة سأقرأُه فقط و أُرجعه ، أصلاً هي من دَفعني إلى هذا ، خَرجتُ من المكانِ مُسرعة ، أحسَست أنني خَرَجت من بُؤرة جَحيم .
و أخيرًا وَصلتُ إلى غُرفتيِ ، أغلقتُ البَاب بإحكام لِأعتزلَ عن العَالم الخَارجي ، فَلطالما كَانت غُرفتي فَضائِي الوَحيد الذي أُمارسُ فيه طُقُوسي بِحريّة ، إعتَدلتُ في جلسَتِي لِقراءة هذا الكتَاب الغَريب الذي كاد أن يتسبّب لي بِمُشكلة لا مفرّ منهَا مع عَجوزٍ غبيّة ، أو لِنقل أنّه فُضُولي الزّائد فلا ذنبَ لي في ذلك فالكُتب وحدهَا من تسُدُّ ثغرات الجُوع في رُوحي ، و خاصّة مثل هذا الكِتاب الغَريب .. ، لكن ما إن فتحتُه حتّى أحسَستُ بِشئٍ يَخنُقني و زِلزالٌ قويٌّ إِنهار على إثره أثاث غرفتي بكاملها ، رَكضتُ نحو البَاب مُسرِعة و فَتحته بِعنَاء شَديد فإِذا بِأُمي على الأَرض لا تُحرِّك سَاكنًا ، إِقترَبتُ مِنهَا و أنا أصرُخ بإسمِها ، لكن شَئٌ ما أمسَكنِي مِن الخَلف و أسقَطَني بِقوة فَارتَطم رَأسي على الأَرض و فقَدتُ الوَعي.

فتَحت عينَاي فلم أَرى شيئًا ، السَّواد فِي كل مكَان، و صَوت الحَيوانَات مِن كل صَوب ، ألاَ تسْطُع الشمس فِي هذَا المكَان؟ ، كَيف سَأنجُوا بِنفسِي؟ ، تسَاؤلات كَثيرة لم أَجد لَها جَوابًا ، حَاولتُ الوُقوف لكن أحسَست بالثِّقل ، يَا إلهي ماهذَا العِقاب سَاعدني لِأصل فَقط إلى طَريقٍ يَدُلّني عَلى حَياتي البائِسة ، نَظَرتُ إلى الأسْفَل نَحو مَوضِع الثِّقل فوجَدتُ بَطني مُنتفِخًا كَحامِل على طَرفِ الولادَة ، صُدمت! لا يُمكن أن يَكُون هذاَ صَحيحًا أنَا لستُ حَاملاً لااا! ، ماهذَا الذي يحدُث؟ ، لكِن نَفس الصَّوت يَقول لِي أن لاَ تَتوقَّفي ، أكمَلتُ السَّير علَّنِي أجِدُ طَرِيقًا ، ما إِن مشَيتُ بِضعَ خُطواتٍ حَتى رَأيت منزِلًا صَغيرًا يتوسَّطُ أشْجارًا مُوحِشَة على طَرفِ النَّهر ، كاَنت فَرحتِي عَارِمة عَجِزتُ على إِثرِها إِطلاَق ضَحكَةٍ بِسببِ شِفاهِي المُتشقِّقة كَصحرَاءٍ قاحِلة ، ضَحكة تنتَشِلني مِن العَفن الذي أقبَعُ فِيه ، طَرقتُ البَاب بطَرقَاتٍ لَا تَكاد تُسمَع ، فَإِذا بِالبَاب يُفتحُ بِرويّة ، لم أستَطع رُؤية الشَّخص جيدًا حتّى ظَهرت مَلامِحه ، إنَّها عَجوز .. نعَم عجوز مفقُوءة عينَاها اليُسرى و لها نُدبةٌ غَريبة على خدِّها ، نظرَت إليّ بِنظرات ثَاقبة فاتَّسعت عينَاها ، أدخَلتنِي بِسُرعة و صَرخت بأَعلى صَوتِها لِما فَعلتِي هذَا ؟ لِماذا قُمتِي بِسرقتِه؟ ، لم أفهم شيئًا ممَّا قالَته ، أجبتُها بالنَّفي : أنا لم أفعَل شيئًا سَاعدِيني أَرجُوكِ ، لم تهتَم لِكلاَمي و ذَهبتْ مُسرِعة و أحضَرت قِطعَة قُماش عَليهَا قَطراتٌ مِن القَطران و أخذَت تُتَمتِم بِعبارَاتٍ غَريبة حتَّى أحسَستُ بِالأرض تتحرَّك من تَحت قَدمَاي ، ثمّ أمسَكتْ بِكتابٍ ضَخم و وضَعت علَيه قِطعَة القُماش فَخرج من فَمِي دخَّانٌ أسود نحو الكِتاب و تحوَّل إِلى كَلِمات غير مَفهُومة ، و اختَفى الثِّقل مِن بَطني تَدريجيّا ، سَقطتُ أرضًا ، دَنت منّي العَجوز و نظَرت إِليّ بِنظرَتِها المُعتَادة و قاَلت : لم أفعَل هذَا مِن أجلِك ... لَيس من أجلِك.

إِستفَقتُ و أنَا أشعُر بِتعَبٍ شَديد ، نظَرتُ يمينًا و شِمالًا بِحذر ، هذَا المَكان ليسَ غريبًا ، .. إنّها غُرفتي! نعم هِي ، يا إلهي مالذي يَحدث لِي؟ ، و فَجأة تذكّرتُ أمّي رَكضتُ إِليها مُسرِعة فَوجدتُها بِخير ، أظنُّ أنَّني جُنِنت! مُستَحيل أن يَكونَ هَذا حقيقيًّا ، تَذكّرتُ الكِتاب الّلعين، بَحثتُ عنه فوجدتُه مَرميًّا على الأرض فَتحتُه فَلم أجِد شَيئًا ، مُجرّد صَفحاتٍ بَيضَاء ، خَرجتُ مُسرعة لِمكان ذلك الدُّكان الذي حوّل حيَاتي إلى جَحيم ، لكنّني لم أجِده ، لاَ وُجود لِذلك الدُّكان أَصلاً.


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق