حوار مع الفنان التشكيلي المغربي عادل الصوفي بقلم زكرياء الزاير



أشتغل على مادة التراب وأربطها بمجموعة من العناصر الثقافية والروحية مثل التصوف والفلسفة والشعر.
عادل الصافي فنان تشكيلي مغربي من مواليد 1969 بمولاي بوشتى الخمار إقليم تاونات. الرئيس المؤسس للجنة الوطنية لمنظمة الألعاب العالمية الفنية – المغرب _MOROCCO_  NC WAG ، وسفير منظمة BOMBE PEACE  من 2013-2015 .
س : حدثنا عن قصّتك مع الرسم كفن تعبر به عن ميولاتك ، كيف بدأت ؟ وأهم الرسامين الذين تأثرت بهم في بداياتك الفنية ؟
ج : كان  احتكاكي مع الرسم بشكل احترافي منذ بداية الدراسة ، لم تكن البداية  بولوج المعهد ، بل جاءت نتيجة الدراسة في شعبة الفنون التشكيلية ، هذه كانت المرحلة الأولى ، أما المرحلة الثانية تزامنت مع التكوين في المركز الجهوي التربوي للفنون التشكيلية .
فخلال تواجدي بالمركز كان تكويني على يد  اثنين من الفنانين التشكيليين المغاربة : د عبد الغني ولحاج وذ فريد التريكي ، هذان الأستاذان أمدّاني بشحنة معنوية وأكاديمية كبيرة ، فالأستاذ عبد الغني ولحاج جعلني أنفتح على التجارب الحديثة ، فقد كان من جيل الرواد، هذا الجيل الذي أعطى للفن التشكيلي المغربي الشيء الكثير ، كان يشتغل بالمدرسة التعبيرية  التشخيصية وله طريقته الخاصة به ، أما فريد التريكي يشتغل في المجال التجريدي ويعتمد على نوع من الإيقاع والحركة ،  فهذا التنوع والزخم الفني والمعرفي لهذين الأستاذين أفادني كثيرا .
تجربتي متنوعة متعددة المشارب ، أعتبر نفسي باحثا في مجال الفنون البصرية. سابقا اشتغلت على اللون بالتعبير على بعض المشاهد من الحياة الاجتماعية، والمناظر الطبيعية  في إطار المدرسة الانطباعية ...أخوض غمار تجربة معينة وحين أجدني استوفيت المرحلة، أتوقف وأستكمل بحثي عن  تجربة موالية . 
س : ما هي اللوحة بالنسبة لعادل الصافي كفنان تشكيلي ؟ 
ج : إن مكونات العمل تجعل اللوحة تبدو أثرية توحي بعالم اركيولوجي ، تكويناته المتناثرة  تسجل رؤى ساكنة أحيانا و متحركة أحيانا أخرى، تتمثل في تشكيلات خطوطية مركبة ، سرعان ما تلتقي لتتعانق وتتجمع حول محور لتنطلق منه نحو عمق وأفق ، مكونة أشكالا و أجساما - المربعات  المكعبات ومتوازيات المستطيلات- في فضاءات منفتحة أحيانا ....وملتحمة أحيانا أخرى متنافرة متطايرة وغير كاملة / مكسرة في أحيان أخرى . تتجه نحو الأعلى مبنية أحيانا و مفككة في  أخرى ، أهدف من ورائها تأكيد عدم البحت عن جمالية شكلية فحسب ، و إنما الوصول إلى لغة تشكيلية واضحة وأسلوب تعبيري يعتمد على المادة و الأشكال كأدوات للتواصل البصري وكوسيلة لبلوغ تكوين تشكيلي حر و دينامكي .
س : عادل الصافي له رؤية خاصة للفن التشكيلي ، تشتغل بمواد خاصة ، وتستلهم فضاءات ذات طابع متميز جدا ، كيف يرسم عادل الصافي لوحاته ؟ وما هي أهم المشارب التي يستلهم منها عادل الصافي رؤاه التشكيلية ؟ 
ج : بالنسبة للتجربة الحالية أعتمد على خامات طبيعية مئة بالمئة مثل التراب ، أشتغل على جميع أنواع التربة خاصة التي لها ألوان متميزة مثل البني والأحمر والأصفر والرمادي المائل إلى الأخضر والأبيض ، فمن المعروف أن الأتربة تأخذ لونها من نوعية المواد المعدنية المتواجدة فيها مثل النحاس والحديد .
لقد توخيت الإشتغال على خامة التراب /الطين لأني أرى وأجد فيه مخزونا ذهني فني و ثقافي؛ أحاول استنباطه بدمج مادة التراب / باللون الأبيض و الأسود داخل مجموعة تراكيب ، ساعيا إلى تكوين أبجدية و لغة بصرية نوعية يكون لها امتداد لتجاربي السابقة ... حيث أصبحت اللوحة تتغير وأصبح التراب مهيمنا يحاصر الشكل واللون- الأبيض والأسود- وأصبحت بناءاتها وتركيباتها الغرافيكية والأيقونية مؤسسة على تضاد شكلي ولوني مفعم بالعديد من الرموز و الدلالات و المعاني  الكثيرة المتواجدة بقوة بتواجد المربع ، المكعب ، المستطيل و متوازي المستطيلات كأشكال صوفية تدل على علاقة ماهو أرضي بما هو سماوي .
أشتغل في غالب الأحيان في مرسمي ، أفضل الاشتغال بفضاء مغلق . أحيانا عندما يكون هناك عمل مشترك مثل الجِداريات أشتغل بفضاء مفتوح ، لأنه يمكنني من تحقيق التواصل مع الناس ، و العديد من الفئات  الاجتماعية عكس العمل المعروض في الصالات الذي يستهدف فئة نوعية ، فالفن التشكيلي يجب أن يستهدف العديد من الفئات ، لأن الفن للجميع ، فهو معيار الثقافة ومقياس تطور المجتمع فكلّما وصل   إلى فئات عديدة اجتماعية سواء كانت في الهرم أو القاعدة ، كلما مثل ذلك دلالة على التطور والتقدم الحضاري داخل المجتمع ، ففي مجتمعنا نحتاج إلى ثقافة فنية بصرية ، فالمجتمعات العربية لم تتواجد فيها ثقافة الصورة ، كانت هناك فقط صور مجردة بأشكال بدائية لذلك نحتاج إلى ثقافة بصرية ، لأن العالم الآن أصبح يعتمد على الصورة بشكل كبير . 
س : نجد الكثير من الفنانين التشكيليين بالمغرب ، قد استلهموا من عمق التراث المغربي المتنوع مواضيع كثيرة ، بحيث أصبحت اللوحة المغربية - إن صح التعبير – لا تخلو من ملمح تراثي ، ماذا يشكل التراث المغربي بالنسبة لك  كفنان تشكيلي مغربي ؟ 
ج : التراث المحلي متعدد، فيه تزاوج للعديد من الحضارات والثقافات ، فيمكن القول إن لنا  ثقافة وموروث حضاري خاص ، وفي نفس الوقت موروث ثقافي مشترك فيه الحضارة الرومانية والثقافة اليهودية والحضارات القديمة ، نجد ذلك  في المعمار والوشم  ومجالات أخرى ، فيجب علينا معرفة كيفية قراءة ذلك التراث بصريا .
نجد فنانين تشكيليين حاولوا البحث في الثقافة التشكيلية المغربية  ، ومنهم من ذهب ليتعلم مهنا تقليدية مثل النجارة وأعمال الجلد ، من أجل توظيف تلك التقنيات والمواد في أعماله ولوحاته ، كما أن هناك بعض التجارب على مستوى الدول العربية التي استطاعت العودة إلى التراث،  وأشكاله الفنية لاستلهام  أشكال جديدة يمكن أن تساهم في صياغة رؤية تشكيلية حداثية .
س :  نعرف أن الفنون التشكيلية ، عرفت تطورا وازدهارا كبيرين ، في الدول العربية ، بدءا بالعراق والسورية والإمارات وتونس والجزائر والمغرب ، باعتبارك فنان تشكيلي مغربي ، تنتمي إلى القطر العربي ، كيف ترى الفنون التشكيلية بالدول العربية عامة وبالمغرب خاصة  ؟ 
ج : كل بلد له خصوصيته  الثقافية البصرية رغم انفتاح فنانيه على العناصر الدخيلة في مجال التشكيل، مثل اللوحة المنجزة فوق الحامل، الصورة الفوتغرافية، فن المنشآت مما يشكل انفتاحا كبيرا وتطورا كبيرا في الحقل التشكيلي العربي، يتمظهر في العديد من صالات العرض والمتاحف ذات الصيت العالمي المنتشرة بجل أرجاء الوطن . 
هناك خصوصيات محلية ، توحدها قواسم مشتركة ، كعامل القومية العربية  ، وعامل الدين إلى غير ذلك، مما يغني الحقل الفني العربي ويؤثر بالإيجاب على تطور العمل، الحركة، الإتجاهات، والمدارس الفنية.
س : عادل الصافي الفنان التشكيلي وأستاذ يزاول مهنة التدريس ( مدرس مادة الرسم ) كيف تجمع بين الفنان والمدرس ؟ هل ترى أن مزاولة الفن والتدريس يكملان بعضهما ؟ ألا تعتبر أنهما معا يؤديان دورا تربويا بشكل من الأشكال ؟ 
ج : لا ليس هناك فاصل أو تقاطع بينهما ، يمكن أن نقول إنّ كليهما يصبُّ في  مجال التربية ، الفن بالأساس وظيفته تربية المتلقي وتهذيب ذوقه ، كما يمَكن من نشر مجموعة من القيم داخل المجتمع فهو وسيلة تربوية تواصلية  ، فيمكننا أن نساهم في بناء أجيال عن طريق الفن .  
س : نجد أن الفنان على العموم لم يكن بمعزل عن مختلف القضايا الإنسانية الكونية  ، إذ نجده دائما يحمل قضية ويدافع عنها  بفنه ، فكما هو معروف فالفن يمثل رسالة جمالية قادرة على صنع التغيير ، ما هي رسالة عادل الصافي الفنان التشكيلي ؟ ماذا يريد أن يقول عادل الصافي عن طريق الرسم ؟ 
ج : العمل الفني عمل بصري يحمل مجموعة من الدلالات والرموز التي يمكن أن نُبلغ من خلالها مجموعة من الرسائل الإنسانية ،  فاللوحة أو المنحوتة أو العمل التشكيلي كيفما كان نوعه ، هو عبارة عن رسالة .
الثقافة البصرية قادرة على توجيه رسالة جمالية تحمل في صميمها السلام والمحبة والأخوة ومختلف القيم الإنسانية لأنها تخاطب العقل والوجدان ، فالفن بصفة عامة يغير الوعي بالواقع ، فلا يمكن أن يكون لدينا فنان لا يحمل عمله رسالة فنية وبالتالي إنسانية .
س : ما هي مشاريعك الفنية التي ستشتغل عليها مستقبلا ؟ وما هي طموحاتك المستقبلية  عن مستوى عرض لوحاتك ؟
ج : المشروع الذي أشتغل عليه حاليا  من حوالي ستّ سنوات ، هو العمل على مادة التراب وربطها بمجموعة من العناصر الثقافية والروحية مثل التصوف والفلسفة والشعر . وهي التجربة تشكل امتدادا لتجاربي السابقة ... بما أن المادة و اللون و الشكل هي أنساق سيميولوجية يتشكل منها الكون ؛ أحاول حاليا أن أجعل من مادة التراب لغة تشكيلية بصرية أأول بها أفكاري ، تأملاتي حول العالم ، دون اللجوء إلى المحسوس ،  جاعلا من إستتيقية المادة الخام -التراب-والمعالجة الشكلية -معالجة الأشكال/المربع و المستطيل- ركيزة أساسية في عملية البحث ، فالعمل الفني هو عملية بحث متواصل ينقلني من تجربة إلى أخرى .  
هذه التجربة التشكيلية تعتمد على استلهام  الطاقة الجمالية  الموجودة في الأشكال الفنية الأخرى مثل الشعر ، وفي هذا الإطار أشتغل على مجموعة من الأشعار من لشعراء مغاربة وعرب .
كما يتمحور عملي التشكيلي على ثقافة شمال إفريقيا التي نجدها في الريف و"القبايل" ومنطقة "جْبالة " وبعض مناطق الجنوب ، فأحاول استلهام تلك التقنيات وقولبتها في طابع تشكيلي ، كطريقة تبليط المنازل التقليدية "الحْنَّاكة "  التي تُستعمل بمجموعة من الأتربة . 
حاليا نشتغل على معرض متنقل، بين مدينة وجدة وفاس، وهو معرض جماعي يضم ثلة من الفنانين التشكيليين المغاربة  من توجهات تشكيلية مختلفة. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق