عبد الواحد الحمداني يكتب: 'سراق الزيت'


على مدخل الليل،في غرفة لا تربو مساحتها عن عشرة امتار مربعة،امتدت يدا عبد الجليل،للمرة التسعون أو المائة،لـ"السبسي". تناول "المطوي" وملأ شقفا، تذمر عندما لاحظ أن المسحوق السحري على وشك النفاذ. عبَّ نفسا وتسلى باخراج الدخان من منخريه في انتشاء ظاهر.
     وقع بصره على صرصور يتحرك بتوجس وخوف في ارجاء الغرفة غير بعيد عن السرير،ولسبب غامض خطر بباله غريغور سامسا الذي مُسخ صرصورا في رواية المسخ للروائي الالماني فرانز كافكا. وتذكر حرج "سعاد" مدرسة التربية الاسلامية من سؤاله الغريب  عن عدة الزوجة التي مُسخ زوجها. يتذكربوضوح تام ،كما لو لم يمض على هذه الذكرى خمسة عشرة سنة، نص الحواربين تلميذ في الخامسة عشر من عمره وأستاذة في الثلاثين من عمرها.
سألها بجرأة:
  ـ هل تعد المتزوجة التي مُسخ زوجها عدة الطلاق أم عدة الوفاة؟
ردت ضاحكة  في محاولة يائسة لمداراة حرجها:
  ـ أمن الممكن أن يُمسخ انســان؟
أجابها بلهجة الواثق مما يقول:
  ـ وإن كان الأمر مستبعدا،فهو ليس مستحيلا. فالذي خلق السموات والأرض لا تنقصه القدرة على مسخ انسان. أليس هو القادرعلى كل شيء؟؟
  جعل الحرج خدّا الاستاذة سعاد يتوردان،وشعر هو في أعماقه بلذة  المنتصر،ولكي يتجنب انتقامها ولانقاذها من حرجها أبدى  استعداده لتقديم فتوى من اجتهاده لحل هذه النازلة الغريبة.
قال بثقة تفوق سنه:
  ـ ثمة شكلان للمسخ: إما أن يمسخ كائنا حيا،كأن يتحول  صرصورا أو لقلاقا أو نحلة أو شجرة حتى،وإما أن يمسخ إلى جماد كأن يتحول صخرة أو كوكبا أو قطعة نقدية. في حالة التحول إلى كائن حي يمكن للمرأة أن تعتبر نفسها مطلقة فتعد عدة الطلاق،وفي حالة تحوله إلى جماد يمكن أن يعتبر الزوج ميتا،وبذلك تعد المرأة عدة وفاة.
ضحك الزملاء وضحكت الاستاذة من فتواه، وربتت على كتفه بحنو تعبيرا عن رضاها بـهـذه "التخريجة الفقهية".
   ابتسم عبد الجليل في سره إذ غمرته هذه الذكرى التي ذكّرته بنزقه الطفولي  وجرأته التي كانت تصل حد الصفاقة. وتساءل بجدية من أعماقه هذه المرة: أيمكن أن يمسخ الإنسان أو يتحول إلى كائن آخر كما حدث لغريغور سامسا؟؟
  ملأ شقفا آخر متلذذا طعم الكيف، وركز نظره على الصرصور الذي لا يكف عن الحركة والتجول في الغرفة الصغيرة متنقلا بين الباب والسرير، واستبد به مشهد الفيلسوف اليوناني فيتاغورس وهو يقول؛ محاولا إقناع أتباعه ومريديه بفكرته عن تناسخ الأرواح؛ عندما سمع كلبا يعوي:
  ـ إنني اسمع في عواءه صوت صديق قديم انتقلت روحه بعد موته إلى هذا الكلب.
   لم يستطع أن يتمالك نفسه من الضحك،قهقه بصوت مسموع كالمجنون إذ تخيل روح فيتاغورس قد انتقلت إلى صرصور....فيتاغورس "سرّاق الزيت"....ههههه
  دب الكيف في عروقه وتفجر الدم في خديه وانتابه شعور بصفاء ذهني لا قبل له به،وأدرك في تلك اللحظة كم هو وحيد وشعر بفراغ مميت ينخره من الداخل، ووجد في "سراق الزيت" رفيقا بوسعه أن يبدد وحدته ووحشته،وطفق يكلمه في شبه مناجاة:
آه لو تعلم يا رفيقي التهمة التي تحملها ! أتدري أنك متهم بالسرقة؟ !أنت في نظر الناس "سرااااق الزيت"... وإنني أشهد صادقا أنك بريء مما يرمونك به وأشهد أنك أشرف من اشرفهم وأرفع قدرا ممن يتهمونك... لن أكمي الشهادة صديقي فلم يسبق لي أن ضبطتك متلبسا بجرمك...
الحق أقول لك انك متهم يا رفيقي؛بل مدان،أما اللصوص الحقيقيين فيرفلون في النعمة، أشخاص محترمون جدا،منهم صاحب الفخامة وصاحب المعالي وصاحب السدة العالية والسيد... أمــا أنت  فـ"سراق الزيت"، سرّاق ولست مجرد سارق فحسب،في الميزان الصرفي أنت على وزن "فعَّال"،صيغة المبالغة في فعل السرقة، أنت يا رفيقي كثير السرقة ،والسرقة تخصصات ومسالك:هناك المتخصصون في سرقة الاحلام وآخرون في التحف الفنية،وآخرون في الصناديق... وانت يا رفيقي متخصص في سرقة زيوت..."سرّاق الزيت".
وابتسم ساخرا...
لعلك الآن يا رفيقي تدرك حجم التهمة الموجهة لك...قد تكون مجرد صرصور سمج..  وقد تكون غريغور سامسا مُسخت صرصورا  وتسمع ما أقوله،لكنك في كل الاحوال لا تستطيع الدفاع عن نفسك لأنك في نهاية المطاف صرصور، والصراصير لا تتكلم.
لا تفكر في هذا الأمر فانني أنصب نفسي محاميا للترافع عنك لسببين: أولا لأنني أمارس قناعة راسخة وصاحب مبدأ صلب،وثانيا لأنك رفيقي وحدتي. وبذلك لا انتظر منك أي كلمات امتنان و شكر لأنني أعتبر نفسي أقوم بواجب...
  شعر عبد الجليل بالاختناق،فسعل بصوت مبحوح جعل الصرصور يفزع ويسارع الى الاختباء تحت السرير.غمغم مواسيا الصرصور:
  ــ لست لصا يا رفيقي،فاللصوص هم من صادروا ويصادرون أحلامنــا ويسرقون منا خبزنـا وملحنا وبهجتنا،هؤلاء هم اللصوص بحق..
   وكأنه سمعه أطل بقرني استشعاره متحسسا درجة الأمان في المكان متوجسا خيفة.رمقه عبد الجليل  بنظرة تقطر شفقة،وهجس في سره:
  ربما هو كمسخ كافكا يسمع ما يدور حوله ويعجز عن الكلام،وربما هو أحد اصدقاء فيتاغورس الجدد انتقلت روحه الى صرصور...وربما هو زوج ممسوخ التبس على زوجته الامر: أتعد عدة طلاق أم عدة وفاة؟
وفي شبه يقين قال مغمغما:
   ــ قد يكون أي شيء إلا لصا متخصصا في سرقة الزيوت.
   ابتسم ساخرا،وأتى على ما تبقى من "كيف" في "المطوي"،ونام جائعـــا وذهنه مشغول كآلة غزل باللصوص ذوي الياقات الناصعات كالثلج،وربطات العنق الانيقة السوداء و الصفراء و الحمراء...اصحاب الكروش المتدلية والكلام المنمق عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الانسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السبسي: أداة لتدخين القنب الهندي،تشبه الغليون.
الشقف:  قطعة أساسية في السبسي،وهي عبارة عن قطعة صغيرة  من الفخار تملأ فيها الذخيرة من مسحوق "الكيف".
الكيف: مخدر محلي بالمغرب يستخرج من نبتة القنب الهندي.
المطوي: حافظة جلدية لتخزين مسحوق الكيف.


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

2 commentaires: