نافذ سمان يكتب: المعرفة ضالة كل حي




تزخر الكتب القديمة بنصوص عديدة فاقت بغناها كل محاولات القراءة و البحث التي تعرضت لها عبر التاريخ و ذلك لقدرتها على الإيحاء ، و قابليتها المرنة للتحليل و التفسير ، و مقدار الغنى الذي تقدمه تلك النصوص للبحوث المقارنة .
حجزت تلك النصوص مكاناً مرموقاً لها داخل تاريخنا و أدبنا ، و أرخت بظلالها بشكل أو بآخر على تكوين لا وعينا ، و مع التطور الهائل و المنتظم بدأ صراع ما ينشأ بين تلك النصوص و بين ما أفرزه الصعود الطبيعي الناشئ لحضارة البشر ، و وجدت تلك النصوص نفسها في معركة وجود خاصة بعد ظهور بعض الأصوات الداعية لإعدام تلك النصوص  و التخلص منها بالكلية لأسباب تفاوتت شدة و تطرفاً بين الحين و الآخر .
استسلمت تلك النصوص للتاريخ و انحنت محاولة المناورة في سبيل البقاء و ترانا الآن نعايش تلك النصوص في كل تفاصيل حياتنا ، فنغنيها تارة في أفراحنا ، و قد نرتلها في أتراحنا ، أحياناً تكون تلك النصوص موضوعاً لقصص نوم أطفالنا ، و تكون أحياناً أخرى صلواتنا التي نتقرّب بها من آلهتنا .
اختبأت تلك النصوص في تلافيف التاريخ مستخدمة غريزة البقاء عندها ، و بلعبة ذكية استطاعت المناورة ، بعضها استطاع الركون و التخفي داخل كتبنا المقدسة ، و بعضها توارى بحجاب من الخيال و استطاع استعارة اسم الأسطورة ليضفي الشرعية الكافية لبقائه حياً .
و الآن ، و بعد أن بدأ يخف سلطان العتمة وجب علينا البحث عن تلك النصوص ، نزيل عنها غبار النسيان ، نخلصها مما علق فيها من درن التحوير و التمويه ، نلمعها و نضعها في إطارها الذي تستحق و نستفد قد الإمكان مما حوت .
إن تحقيق ذلك الهدف يتطلب منا بداية اختيار مناطق البحث بدقة ، ثم مباشرة البحث بصبر و بتؤدة ، شعارنا يجب أن يكون الفضول ، و التساؤل طريقنا للمعرفة ( فلا يصبح الإنسان مغفلاً حتى يتوقف عن طرح الأسئلة )   تحديد الغث من السمين ، ثم الانطلاق نحو ترميم تلك النصوص تمهيداً لقرائتها و الاستفادة منها .
إن إهمال تلك النصوص بقصد أو دون قصد يترتب عليه إهمال متعمّد غير مسؤول لماضينا و كنوزه المدفونة في النسيان ، و نحن إذ نحاول إعادة قراءة تلك النصوص فإننا نحاول أن نستفيد من تلك النصوص و التي تشكل قاعدة البيانات الأهم لتأريخ ظهورنا و تطورنا كمحظوظين وجدوا طريقة مثلى لحفظ خطوات تطورهم على خلاف أقاربنا من ثديات و كائنات أخرى فقدت أي صلة بماضيها اللهم إلا ظهور حرشفة من هنا أو ضمور إصبع من هناك .
إن إهمال تلك النصوص يمنعنا من التعمق الجاد في ذواتنا ، فنردد ببغائية صلواتنا ، و نستلذ بالسحر المخفي في أساطيرنا ، نطلق على أطفالنا أسماء أبطالنا الخياليين ، و نهرب من تاريخنا بقصص نلفقها حيناً لنصدقها ، و يعلو صوتنا أحياناً ليُكذب تلك القصص بكل حِدّة .
الأسطورة كمنطلق
من تلك النصوص الكتب المقدسة المتوارثة منذ عصور تشكل الأسطورة قاعدة البيانات الأعم و الأشمل للحضارات الإقليمية ، بشكل خاص ، و للبشرية بشكل عام . و لمرونة تلك الأسطورة ، و تجاوبها مع خصوصيات كل منطقة ، و تطورات كل زمن ، فان الأسطورة لطالما شكلت القواسم المشتركة ، و نقاط التواصل و التمازج بين تلك الحضارات المتواصلة ، و المتمازجة ، أساساً .
رحلة البحث عن المعرفة
ذكرنا أنه من أهم قواعد رحلة التي سنتقيد بها هي اختيار مناطق البحث عن تلك الكنوز المخفية بطيات التاريخ ، و سنسلك كمبتدئين اسهل الطرق و لن نبتعد عن محيطنا كثيراً و لن نسلك الطرق الوعرة ، و سنلتقط أول ما تقع عليه أعيننا ألا و هو الكتاب المقدس ، العهد القديم ، و الذي أعتبره كنزاً لم يقرأ بعد ، كما يجب ، فالعهد القديم يا سادة أحد تلك النصوص الهائلة الغنى جملة و تفصيلا ، فهو بكل ما يحمل بين طياته من قصص و تأريخ و تعاليم ملوك و أنبياء و قضاة ، كنزٌ و أي كنز ، و نحن إذ نقتبس نصاً منه هنا ، و نحاول أن نقرأه بنظرة مغايرة لما سبق أن قرئ بها ، نستمحي العذر من كل من يقدس ذلك النص ، و نؤكد أننا اخترناه لقدرته على البقاء كل تلك المدة من الزمن ، و لاحتفاظه بمن يؤيده ، و أخيراً لشهرته ، و لسهولة الحصول عليه من مصادر متعددة .
لسنا وحدنا
( ( لسنا وحدنا ) ) قرأتُ هذا العنوان ، ذات يومٍ ، لأحد الكتاب المحترمين العرب  ، و توقفتُ حينها لبرهة ، هطلت عليّ الأسئلة ، و بدأت تغزل داخلي القصة تلو القصة .
أول ما تبادر لي حين قراءتي لذلك العنوان المليء بالإيحاءات ، أن ماذا لو أضفتُ جاراً و مجروراً ؟ فتجلى للتو أمامي ( لسنا وحدنا في هذا الكون ) !! لوهلة شعرتُ أن هذا الأمر كبير ، و كبير جداً ، فعدتُ لأقول ( لسنا وحدنا ، هنا ) فتوسّعَت حدقتا عيني و بدأتا تطوفان حولي ، لم يكن الأمر أسهل ، فحاولتُ أن أختصر ، قدر المستطاع ، فظهر لي ( لسنا وحدنا ، الآن ) و ( لسنا وحدنا ، أبداً ) و هكذا بدا لي أنني أفتح عيني كرجل العصور الأولى ، للمرة الأولى ، و بدأتُ أجزم ، أن أول ما نظر إليه رجلنا القديم ذاك ، كان السماء ، حيث نسب إليها كل ما لم يستطع تفسيره ، فمنها بدأ رحلته نحو تخيّل الرب الخالق ، و بدأ بعبادة ما يجول فيها ، ثم ، و بتطور لاحق ، جعلها منطلق الآلهة و مكان سكناها و ممارسة نشاطاتها ، و ثم ، و بتطور آخر ، جعل كل ما يخشاه أو يحترمه ، يجول فيها ، و ما رحلة النبي إبراهيم نحو الهداية إلا نموذجاً لذلك  البحث المُمنهج و الدؤوب عن الرب  .
بنظرة محايدة ، و بقراءة متأنية ، فإننا نجد أن هؤلاء الذين هبطوا من السماء ، و شغلونا على مدى عقود ، و انقسمنا بين مصدق لقدومهم و مكذب ، قد تركوا أثرهم الواضح بأدبنا و كتاباتنا ، بل حتى بتأريخنا ، و من المستغرب أن تقابل تلك النصوص التي وثقت ذلك ، أو حاولت التحدث عن ذلك ، بذلك الإهمال و عدم الاهتمام . و قد وجدتُ أنه من اللائق أن نلقي بعض الضوء على تلك المحاولات التي تعددت طرق تناولها للموضوع و لكنها لم تحد عنه .
ماذا رأى حزقيا
نصنا المنتقى كُتب حوالي عام 597 ق م ، و هو يصف ، و بصورة مفصلة ، كيفية مجيء الرب ليتوج حزقيال نبياً على بني إسرائيل ، و يهمنا أن نعرف أن بني إسرائيل كانوا في أسوأ أيام تاريخهم حينها ، فقد هاجم الأرض المقدسة ملك آشور ، نبوخذ نصر ، و دمّر هيكل سليمان ، و أقتاد بني إسرائيل أسارى إلى بابل ، هنا ، كان لا بد لهذا الشعب المنكوب من معجزة ما ، تُثبت أن يهوه لم و لن يترك شعبه المختار بين فكي القدر من دون راع يقود و يلهم ، و عليه يجب ألا تقل طريقة تكليفه عن المعجزة ، و كذا كان .
يطالعنا النص الذي سنذكره و نبحث به ، و بصورة مباشرة و واضحة ، كيفية هبوط الرب على حزقيال ليتوجه نبياً و قائداً لبني إسرائيل ، تلك الكيفية التي سيلاحظها ذلك النبي الاسرائيلي و سيصفها فيما بعد بدقة متناهية و بأعصاب باردة تختلف تماماً عن أعصاب من يواجه الرب ليتلقى منه ذلك التكليف السماوي .
سفر حزقيال

1 :4 فنظرت و اذا بريح عاصفة جاءت من الشمال سحابة عظيمة و نار متواصلة و حولها لمعان و من وسطها كمنظر النحاس اللامع من وسط النار
1 :5 و من وسطها شبه اربعة حيوانات و هذا منظرها لها شبه انسان
1 :6 و لكل واحد اربعة اوجه و لكل واحد اربعة اجنحة
1 :7 و ارجلها ارجل قائمة و اقدام ارجلها كقدم رجل العجل و بارقة كمنظر النحاس المصقول
1 :8 و ايدي انسان تحت اجنحتها على جوانبها الاربعة و وجوهها و اجنحتها لجوانبها الاربعة
1 :9 و اجنحتها متصلة الواحد باخيه لم تدر عند سيرها كل واحد يسير الى جهة وجهه
1 :10 اما شبه وجوهها فوجه انسان و وجه اسد لليمين لاربعتها و وجه ثور من الشمال لاربعتها و وجه نسر لاربعتها
1 :11 فهذه اوجهها اما اجنحتها فمبسوطة من فوق لكل واحد اثنان متصلان احدهما باخيه و اثنان يغطيان اجسامها
1 :12 و كل واحد كان يسير الى جهة وجهه الى حيث تكون الروح لتسير تسير لم تدر عند سيرها
1 :13 اما شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار متقدة كمنظر مصابيح هي سالكة بين الحيوانات و للنار لمعان و من النار كان يخرج برق
1 :14 الحيوانات راكضة و راجعة كمنظر البرق
1 :15 فنظرت الحيوانات و اذا بكرة واحدة على الارض بجانب الحيوانات باوجهها الاربعة
1 :16 منظر البكرات و صنعتها كمنظر الزبرجد و للاربع شكل واحد و منظرها و صنعتها كانها كانت بكرة وسط بكرة
1 :17 لما سارت سارت على جوانبها الاربعة لم تدر عند سيرها
1 :18 اما اطرها فعالية و مخيفة و اطرها ملانة عيونا حواليها للاربع
1 :19 فاذا سارت الحيوانات سارت البكرات بجانبها و اذا ارتفعت الحيوانات عن الارض ارتفعت البكرات
1 :20 الى حيث تكون الروح لتسير يسيرون الى حيث الروح لتسير و البكرات ترتفع معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات
1 :21 فاذا سارت تلك سارت هذه و اذا وقفت تلك وقفت و اذا ارتفعت تلك عن الارض ارتفعت البكرات معها لان روح الحيوانات كانت في البكرات
1 :22 و على رؤوس الحيوانات شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرا على رؤوسها من فوق
1 :23 و تحت المقبب اجنحتها مستقيمة الواحد نحو اخيه لكل واحد اثنان يغطيان من هنا و لكل واحد اثنان يغطيان من هناك اجسامها
1 :24 فلما سارت سمعت صوت اجنحتها كخرير مياه كثيرة كصوت القدير صوت ضجة كصوت جيش و لما وقفت ارخت اجنحتها
1 :25 فكان صوت من فوق المقبب الذي على رؤوسها اذا وقفت ارخت اجنحتها
1 :26 و فوق المقبب الذي على رؤوسها شبه عرش كمنظر حجر العقيق الازرق و على شبه العرش شبه كمنظر انسان عليه من فوق
1 :27 و رايت مثل منظر النحاس اللامع كمنظر نار داخله من حوله من منظر حقويه الى فوق و من منظر حقويه الى تحت رايت مثل منظر نار و لها لمعان من حولها
1 :28 كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر هكذا منظر اللمعان من حوله هذا منظر شبه مجد الرب و لما رايته خررت على وجهي و سمعت صوت متكلم
انظروا لذلك النص المحير ، و لا حظوا دقة ملاحظة ذلك النبي الذي من المفترض ان تصعقه مفاجأة الرب ، لاحظوا العربة الحديدية و التي يعلوها قوس زجاجي ، لاحظوا من يقود تلك المركبة و لاحظوا كيفية طيرانها و صوت و كيفية الطيران .
بعد قراءة متأنية للنص من جديد ، هل يذكركم ذلك بأحد أفلام هوليوود ؟
أترككم لأسئلتكم ، و دمتم بخير .





عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق