محمود العكري يكتب: نيتشه وحكمة الإغريق الأولى.. 2



وبما أن التبرير العقلي للحياة غير ممكن، فالحل الوحيد يتأتى من الجانب الفني فلكي تصير الحياة محتملة لابد من تدخل الشأن الجميل لحجب الأمر الفظيع و يغطي فيها الشأن الأنفس على الأمر الأخس. و لن يكون ذلك ممكنا إلا بتوسل الفن، باعتباره أداة الحجب الأفضل، فهو الوسيلة التي تحجب الحياة. و من هنا كانت الحضارة اليونانية أساسا حضارة فن، و كان الفن اليوناني، أصلا تمجيدا للحياة. و من هنا نجد نيتشه يقول: " إن الواقف على روح الحضارة اليونانية ليجدها كمنت في تمجيد الحياة بتوسل الفن " . لقد تمكن الإغريق بفضل تحكمهم في غريزتهم المعرفية، و بفضل الاحترام الذي كانوا يكنونه للحياة و بفضل حاجتهم النموذجية للحياة ... ذلك أنهم كانوا يريدون المباشرة لتوهم بعيش ما يتعلمون. لقد ابتكروا في الواقع الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي، و لم يبق لمجمل الأجيال اللاحقة أن تبتكر شيئا جوهريا يمكن أن يضاف إليها، و ليس مصادفة أن نجد شوبنهاور يطلق عليهم، بالتعارض مع جمهورية العلماء اسم جمهورية العباقرة. إن هؤلاء الحكماء القدامى قد قدموا للبشرية الخطوط الكبرى للعبقرية الإغريقية و هذا ما جعل نيتشه يقول : " إن لدى الشعب الإغريقي حكماء بينما لدى الشعوب الأخرى قديسين " . نجد لدى نيتشه في فترة شبابه الأولى ميل واضح إلى النزعة اللاعقلية، و إتجاه إلى الإندماج المباشر بالطبيعة التلقائية في صورتها الأولى، قبل أن يشوهها العقل الخالص و يبعث فيها الثبات و الجمود و هو اتجاه يتصف كما هو واضح بالإقبال على الحياة في تلقائيتها المباشرة، و هذا بالضبط هو الدرس الذي استمده من فلاسفة الإغريق القدامى. و مثلما واجه اليونانيون من قبل قساوة الحياة بالفن، و مأساة الوجود و أسئلته التي لا يمكن الإجابة عنها بمنطق العقل، يواجه نيتشه الذي يدعو نفسه أول فيلسوف مأساوي الحياة بالوسيلة نفسها عن طريق الرجوع بالفلسفة إلى ما قبل العصر السقراطي، أي إلى العصر اللاعقلاني لفهم الوجود، بعد أن " ظهر سقراط بمظهر شيطان عقل، و الرجل الذي انقلبت فيه كل رغبة و كل هوى إلى إرادة في بناء الوجود و السيطرة عليه عقليا ". و من هنا فلا يمثل الفن بالنسبة لنيتشه " النشاط الميتافيزيقي الحقيقي، الذي يقوم به الإنسان و فقط، بل يتم فيه قبل كل شيء التوضيح الميتافيزيقي للموجود بمجمله و يتوصل المفكر بعين الفن فقط، إلى الغوص ببصره في قلب العالم " . و كما سبق القول بأن الحياة هي الحياة نفسها، فإن الفن الكفيل بمواجهة رعبها هو الفن المأساوي، إذ يرجع نيتشه إلى المأساوي ماهية الفن الحقيقية، فالفن المأساوي يدرك حياة العالم المأساوية، و المأساوي يشكل صنيعة نيتشه الأساسية لتجربة الوجود عنده. و قد انطلق نيتشه من دراسة تفسير فلاسفة اليونان الأوائل للظاهرة الأنطولوجية و الحكم على قيمة الوجود، فاستنتج أن مهمة تفسير الوجود في العصر اليوناني الكلاسيكي تعود إلى الفيلسوف أو الحكيم و ليس إلى رجل الدين، و أول فيلسوف يبدأ به نيتشه بحثه هو طاليس. تبدأ الفلسفة اليونانية بفكرة غريبة هي " أن الماء أصل كل الأشياء " . إن هذا التفسير الطاليسي الذي يتناول أصل الأشياء يتباعد عن التفسيرات الخرافية السابقة، فبينما كانت كل تلك التفسيرات تفرقة و فصل، تنظر إلى الأشياء على أنها مختلفة و متفرقة جاء التفسير الطاليسي و جعل كل الأشياء وحدة و هكذا يندرج طاليس ضمن زمرة الأوائل الذين تأملوا في معنى الكون، فهو من هذه الناحية متصل بهم و لكن من ناحية أخرى هو مختلف عنهم حينما يرجع كل الأشياء إلى أصل واحد، و لذا برز بوصفه معلما مبدع، بدأ بسبر غور الطبيعة دون الاستعانة بالروايات الخيالية. لقد كان أهم ما ميز طاليس هو تلك القدرة على اختراق التفسيرات المألوفة، فقد جرى العرف على اعتبار الإنسان جوهر الأشياء التي لم تكن سوى مظهرا خارجيا، لكن طاليس قال أن الماء هو حقيقة الأشياء و ليس الإنسان، و هو بذلك نقيض للمفكرين الذين كانوا يؤمنون بالحقيقة في الإنسان و الآلهة فقط و يرون الطبيعة بزي متنكر و لعبة مخادعة. و ذلك ما جعله يشكل مثالا حيا لما لاحظه نيتشه عند اليونانيين من قوة حدسية، تجعلهم يطالبون بالتشريع في كل الأمور و تعديل وزن الموجود و قيمته. و على ذلك، فإن نيتشه يعتقد أن طاليس عندما يفسر الكل على أنه ماء، فهو من ناحية يفضي إلينا بمعنى الوجود و أصله، و من جهة أخرى يعبر عنه و يقيمه و بعبارة أوضح يحدد قيمة معنى الوجود و مع أنه يستحيل البرهنة على ذلك التفسير و تأسيسه على ركيزة علمية، إلا أنه مازال يحتفظ بقيمته ذلك أنه يحوي قوة فاعلة و ينطوي بشكل معين على فكر خصب، و هذا إن دل على شيء فإنما يدل، في رأي نيتشه، على محاولة هذا التفسير الحد من سيادة الصيرورة و التعدد و تصور وجود عالمين مختلفين: عالم الكثرة و عالم الوحدة. هذا و إذا كان طاليس قد رسم، في نظر نيتشه، معالم النموذج العام للفيلسوف فإن هذا الأخير سيتضح بشكل أفضل مع أنكسيماندريس الذي إتخذ تفسيره للوجود منحى مغايرا تماما : " فهو يرى في تعدد الأشياء المولودة مجموعة من المظاهر التي يجب التكفير عنها بالموت " . و الذي تعنيه أن الولادة تقتضي الفناء، فكل عالم يولد لابد أن يكفر عن خطيئة الميلاد بأن يفنى ليولد عالم جديد، فهذا ما تقتضيه العدالة، من حيث أن ذلك الفناء تكفير عن الوجود، لأن الوجود بطبيعته خطيئة. إذ أن الوجود يعني طرد موجود و الحلول محله و على ذلك فإن الكائن الحقيقي و خلود الكائن الأصلي يقوم على خلوه من الصفات المحددة التي تقود إلى الموت، أي أنه يقف وراء الصيرورة. إن أنكسيماندريس يزودنا بتفسير أخلاقي للوجود، فالعدل و الظلم قد فسرا على أنهما من المفاهيم الأخلاقية التي تحددت طبقا لها خطيئة وجود الموجود، وعليه فإن تفسير الوجود على هذا النحو يعطيه طبيعة مزدوجة : طبيعة الظلم والإجرام و طبيعة التكفير المبرئ . و لما كان الحقد على الصيرورة و محاولة التحكم فيها من المسائل الأساسية التي شغلت معظم فلاسفة اليونان القدامى. و قد رأينا كيف حاول طاليس من خلال تفسيره تقليص سيادة المتعدد و رده إلى صفة وحيدة، فإننا نجد المسألة ذاتها تتكرر مع أنكسيماندريس الذي حاول حل مشكلة السيل المتواصل والمتجدد للصيرورة : " إن الصيرورة في نظره لا تجد أصلها إلا في موجود أبدي و الموجود الفردي المحدد لا وجود له خارج رحم اللامحدد " . هذا و إذا كان أنكسيماندريس مثل سابقه طاليس، فقد التجأ إلى برج ميتافيزيقي حيث يستطيع أن يسرح على العالم بنظرة حوله، و هو حين أرجع أصل العالم إلى اللامحدد أو برده الكل إلى وحدة يكون بذلك قد اعترف ضمنيا بوجود عالم آخر ميتافيزيقي، و بذلك فقد بقي في الظلمات العميقة التي كانت تنتشر كالأشباح الجبارة على قمم هكذا مفهوم للكون فكلما أردنا أن نحيط عن كثب بمسألة كيف يمكن للمحدد بادئ ذي بدئ أن يتولد عن اللامحدد و يخونه، و كيف تولد الزمنية من الأبدية، و الظلم من العدل، كلما ازداد الليل ظلاما . و إذا كان أنكسيماندريس قد أدان العالم و فسره كالإقامة وسط الجريمة و المكان الذي يكفر فيه ظلم الصيرورة عن ذنبه، فإن تفسير بارميندس يختلف كليا عن التفسير السابق. إن بارميندس هو الفيلسوف الذي لا يحس نيتشه نحوه بأي تعاطف، ذلك أنه بفضل نقد بارميندس للجهاز المعرفي و فصل الحواس عن ملكة التفكير التجريدي قد دفع الميتافيزيقا نحو ذلك التقسيم الخاطئ كليا بين الروح و الجسد. و هو ينتمي لزمرة الفلاسفة الذين يفسرون الوجود و هم مدفوعون بحقد و كراهية للصيرورة فالولادة و النمو و التغير و الشيخوخة و الموت كلها اعتراضات و تفنيدات بالنسبة للعقل فكل ما هو موجود لا يخضع للصيرورة، و كل ما يخضع للصيرورة غير موجود، لذلك رأى أنه من الواجب أن يفرق الإنسان بين نوعين من المعرفة : المعرفة الظنية و هي غير جديرة بأن تسمى معرفة و تتأتى عن طريق الحواس التي تصور الوجود في شكل متغير و الحقيقة تصبح تبعا لها مجرد خيال و حلم فحسب، في حين أن المعرفة العقلية هي وحدها المعرفة الحقيقية، لأن العقل من شأنه أن يصور الوجود الحقيقي، فقد كان ينتقد عيونه لأنها ترى الصيرورة، و ينتقد أذنيه لأنها تسمع ضوضائها، و كانت وصيته : " لا تعتمدوا فقط على النظر الفظ، و لا على السمع الأصم، و لا على اللسان، و لكن أخضعوا الأشياء لتجربة قوة الفكر وحدها " . و بناء على هذا، فإن التفسير البارميندي يقول بعالمين أو وجودين : وجود حقيقي كامن وراء الظاهرة لا يعرف إلا بالعقل، و لا يمكن للحواس أن تعرفه أو تشعر به أو تلمسه أو تراه. و وجود غير حقيقي هو عالم الظاهر، عالم التعدد و الحركة و التغير، و هو العالم الذي بإمكان الحواس أن تدركه. وبعد أن قيد بارميندس الحواس، افترض أننا نملك آلة معرفية تخترق جوهر الأشياء هي الفكر و مفاهيمه، و من ثم ماثل بين الفكر و الوجود، بمعنى أن ما يلفظ به و ما يفكر فيه يجب أن يكون موجودا، و ما لا يفكر فيه فهو غير موجود. و بهذه الطريقة ينشأ التناقض بين الوجود و اللاوجود في التفسير البارميندي فالحقيقي المطلق هو الوجود و اللاوجود هو غير الحقيقي أو اللاشيء. و كما اعتبر طاليس الماء هو الحقيقة الواحدة، اعتبر الفيتاغوريون العدد هو الحقيقة الواحدة، فان الحقيقة الواحدة عند بارميندس هي الوجود غير المختلط تماما باللاوجود و الخالي من كل صيرورة. و يعتقد نيتشه في نهاية تحليله أن التفسير البارميندي الذي يفهم الوجود على أنه ثابت و ساكن و صلب و غير حي من أضعف و أقل التفسيرات تعبيرا عن الوجود أو بتعبير آخر، إن بارميندس لا يعدو أن يكون مجرد مفكر تجمد في صنوف تجريد لا حياة فيها. لقد نسج برجا من المفاهيم العامة الشاحبة و صرفا فارغا للكلمات جعلها مسكن الحقيقة، تماما مثل العنكبوت ينسج الشرنقة، لكن إذا كان العنكبوت يستوجب دم ضحيته، فإن بارميندس يكره دم ضحيته، دم الواقع العيني الذي ضحى به . وسط كل هذه التفسيرات برز هيراقليطس: " إن هيراقليطس هو المفكر الوحيد الذي يرى الحياة بريئة و عادلة بصورة جذرية، و هو المفكر الذي فسر الوجود على أنه ظاهرة جمالية لا ظاهرة أخلاقية أو دينية كما فسره الآخرون " ، إن هيراقليطس لا يرى أي عقاب للمتعدد أو أي تكفير على الصيرورة، بل على العكس، فلا وجود لغير الصيرورة، و الوجود لا يثبت نفسه إلا من خلال الصيرورة، إن المعركة داخل المتعدد هي العدالة بعينها.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق