محمود العكري يكتب: نيتشه وحكمة الإغريق الأولى 3



وهكذا ينتج مع هذا التفسير فكرتان أساسيتان لا تنفصلان، حيث تفيد الفكرة الأولى أن كل شيء صيرورة، والثانية أن الوجود هو وجود الصيرورة، ولا أثر للوجود خارج دائرتها، أو لا وجود للشيء فيما وراء المتعدد. وهذا ما يعبر عنه قول هيراقليطس حين يذهب إلى أن إعتبار الأشياء بأسماء ثابتة كما لو كان لها زمن ثابت، هو من قبيل الفهم الخاطئ، وحتى النهر الذي هو محط نزول للمرة الثانية، ليس نفسه كما كان لأول مرة، إذن كل شيء موجود في تغير مستمر، ولا شيء باق على حال ثابتة. وإذا كان بارميندس يفهم الوجود على أنه وحدة ثابتة، فإن الفهم الهيراقليطي يذهب إلى اعتبار الوجود دائم السيلان، والشيء الواحد لا يتحول إلى شيء آخر فقط، بل إن الشيء الواحد لا يستقر لحظة واحدة على حال واحدة، وإنما ينقلب باستمرار من حالة إلى أخرى، فالشيء يكون حارا ويتحول إلى بارد، ثم يتحول من جديد إلى حار وهكذا دواليك، وعليه فإن كل شيء يشمل ضده ويحتويه، فالشيء في تحوله إنما يتغير من ضد إلى ضده. وهذا يعني أن كل صيرورة تولد من صراع الأضداد، والصفات المحددة التي قد تبدو دائمة تعبر فقط عن تفوق مؤقت لأحد عناصر الصراع، ولكن تفوق عنصر على آخر لا يوقف الصراع وإنما يستمر في أبديته، وذلك التقابل أو التضاد هو الذي ينشأ عنه الوجود، وعليه فإن الوجود هو مبدأ الصراع أو النزاع بين الموجودات. وفي تفسيره للوجود، يتجاوز هيراقليطس كل الحدود المنغلقة، ليفهم العالم بشكل فني، من خلال رؤية جمالية، وبفضل استعارة رائعة هي استعارة اللعب، فالعالم هو لعبة الفنان والطفل، التي تعرف الصيرورة والموت، تبني وتهدم دون أي اتهام أخلاقي وداخل براءة دائمة العافية، فالطفل يرمي لعبته للحظة ثم ما يلبث أن يلتقطها منساقا وراء نزوة بريئة والفنان يعيش لحظة شبع ثم تنتابه الرغبة نحو الإبداع، وهكذا تلعب النار لعبتها الأبدية تبني وتهدم بكل براءة وهي من وقت لآخر تكرر لعبتها مرة أخرى . وإذا كان أنكسيماندريس قد قال بثنائية عالمين مختلفين، فإن التفسير الهيراقليطي قد نفى ازدواجية العالمين، فعالم المتعدد والصيرورة هما حقيقة واحدة، ولا يمكن اعتبارهما وهما أو ظاهرا، وفي المقابل لا وجود لحقيقة خالدة تكون جوهر ما وراء الظاهر . وإذا كان بارميندس أيضا، قد فسر الوجود وأدخله سجن المفهوم المجرد بطريقة مريضة كليا، فإن هيراقليطس أدرك حقيقته بحدس ونشوة بدلا من الملاحظة والاستنتاج والصعود عبر درج المقولات المنطقية، لقد أثنى نيتشه كثيرا على هذا التفسير، مبينا أنه تفسير صائب إلى حد بعيد لأنه يعلن إثبات الحياة وتأكيد قيمتها من حيث اعتباره العالم الظاهر هو العالم الأوحد والحقيقة الوحيدة، أما العالم الحقيقي فهو مجرد أكذوبة . فالعودة إلى الإغريق انطلاقا من الحاضر، تعني أولا، أن ثمة صلة ما لهذا الحاضر بذلك الماضي، أو بعبارة أكثر دقة، أن ثمة حاضرا بكيفية عقلانية ما رأى نيتشه، أن ذلك الماضي البعيد هو المسئول عن تشكيلها، ولما كان ذلك الماضي الإغريقي يضم عددا من الفلاسفة يحمل كل منهم نظرته الخاصة إلى الوجود، رأى نيتشه أن تلك النظرات كلها يمكن إيجازها بنظرتي هيراقليطس وبارميندس، إذ تمثل فلسفة كل منهما، اللحظة والفهم النقيض للآخر إنها لحظة صراع الصيرورة الهيراقليطية مع الوجود البارميندي لحظة وحدة العالم والنظر إليه بوصفه حقيقة غير مقسمة، ولحظة وجود عالمين منقسمين أحدهما حقيقي والآخر مجرد ظاهر زائف، وإذ يفسر كل صراع بين قوتين أرضيتين ماديتين أو مفهومتين عن انتصار إحدى القوتين على الأخرى، انتهى الصراع بانتصار بارميندس على هيراقليطس " فأصبح الكون كله يعد موجودا ثابتا، أما صورة هيراقليطس فقد اندثرت، ولم يحاول أحد من الفلاسفة أن يبعثها ويدعو لقبولها بنفس الحماسة التي دعا إليها مبدعها " . وهكذا فرق أفلاطون من بعده بين عالمين، عالم المثل الحقيقي، وعالم الظاهر الزائف، ثم نمت وترعرعت هذه الفكرة في عقول الفلاسفة على مر التاريخ فأصبح كل فكر ميتافيزيقي منذ بارميندس مرورا بالمسيحية إلى كانط، قد قبل نظرية ثنائية العالم وطورها، فهناك إلى جانب عالمنا الوهمي المتغير المتناهي والزائل، عالم حقيقي، خالد، لا نهاية له، وبلغة الدين هناك إله. يقول نيتشه " إن تقسيم العالم إلى عالم حقيقي وعالم ظاهر... ليس سوى فكرة من وحي الإنحطاط "، وفي حقيقة الأمر، فإن رذائل الفلسفة تعود إلى مبالغة مجنونة في تقدير العقل. أما مسألة قبول الفكر الفلسفي لنظرة بارميندس دون خصمه هيراقليطس، فيبدو أن الأمر يرجع في أصله إلى مسألة تتعلق بالخوف والشجاعة العقليين، إذ أن " هذا التجاهل لفلسفة هيراقليطس، ينم عن شعور بالخوف من التحول والصيرورة، ذلك لأن الكون منقسما إلى جواهر وأشياء يضفي عليه ثباتا يريح العقل والحواس ويجعل إدراكه والتعامل معه أمرا هينا، أما لو تصورنا أن التغير الدائم هو الذي يسود فعندئذ يفر كل شيء من أمامنا وينجرف في تيار الصيرورة، فلا تستطيع أن تثبت منه جزءا تتعامل معه أو تسيطر عليه" . العالم إذن يعيش الآن تحت عقلانية ما ورائية متعالية، تصادر العالم الأرضي وتستحوذ على كل قيمه انطلاقا من كونه وهميا، ظاهرا، يستمد قيمته كلها من ذلك العالم الماورائي الحقيقي الذي يؤلف الأصل بالنسبة له، ولما كانت هذه النظرة إلى العالم هي الموضع الكامل للرؤية النتشوية، الرؤية المضادة لرؤية بارميندس وأفلاطون، فإن قلبا للقيم لابد أن يحدث على يديه، وهكذا ستكون الحاجة ماسة إلى ثلاثة وعشرين قرنا، لكي يتوصل نيتشه، أفلاطون المضاد إلى قلب المقاييس، وإلى أن يقول بالطابع الوهمي للمثل، وإلى أن يعتبر أن الفن يمثل الواقع الوحيد وأنه الحياة. وفي حقيقة الأمر، لقد كان لنيتشه مبرراته المقنعة، لا في نقد عقلانية عصر الحداثة فحسب، بل وفي الرجوع إلى الإغريق لإصلاح مفاهيم وأخطاء الحداثة إنطلاقا من المبادئ النوعية الخاصة للفكر الإغريقي، إذ أن الجمالية في فكر نيتشه، وهي إحدى أهم الوسائل الفعالة في إصلاح العقلانية الحديثة المتطرفة نشأت من صعوبة ترجمة مبادئ الفهم العقلاني والعلمي و التنويري إلى مبادئ أخلاقية وسياسية ملائمة عمليا، ومن هذه الثغرة بالذات ينجح نيتشه لاحقا في إيصال رسالته الضخمة بكل تداعياتها، ومؤداها ببساطة، أن للفن والمشاعر الجمالية القدرة على تجاوز الخير والشر معا فالجمالية إذن هي المخرج والخلاص، وهي الرد " على طابع الفوضى العميق في الحياة الحديثة وعلى عجز الفكر العقلاني عن التقاط ذلك " . يقول نيتشه " هل تعلمنا شيئا مما كان الإغريق يتعلمون في فنونهم؟ هل تعلمنا أن نتكلم مثلهم؟ وأن نكتب مثلهم؟ هل تمرسنا بفنون المبارزة في المحادثة، في الجدل؟ هل تعلمنا التأثر بجمال اعتزاز مثلهم؟ " . فالعودة إلى الإغريق إذن تحمل غايات مركبة، في مقدمتها " استعادة صورة الفيلسوف، الصورة الأقدم والأبعد عهدا، إنها صورة المفكر ما قبل السقراطي " ، لأن هذا الأخير كان يحكم على الحياة ويدينها باسم القيم العليا، ولما كانت العقلانية السقراطية والأفلاطونية والتي سنأتي على ذكرها في البابين الثاني والثالث تنتصر منذ ذلك الحين وتشيد قيمها في الحياة الأوروبية حتى عصر نيتشه سعى نيتشه وصفه مطلبا أعلى له " إلى إعادة الاعتبار لقيمة هذا العالم واستعادة مكانته الضائعة بالتناغم مع تأسيس الثقافة الأوروبية على أسس بديلة قوامها تأويل جديد يمجد الألم والأرض والأشكال الجميلة " . خلاصة القول، أن العودة النتشوية إلى الإغريق لإصلاح الفلسفة، هي عودة بالأساس إلى هيراقليطس وذلك من أجل قلب قيم العقلانية الأوروبية من خلال مبادئه الفلسفية الكبرى وأسلوبه الشعري الحدسي في طريقة التعبير عن الوجود ورؤيته الجمالية إلى الكون والإنسان.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق