أحمد سليمان يكتب: أمي ..



أمي ..

مذ غيابك وجسدي عاري ، ثيابك كانت كبيرة جدا حتى إنها كانت تسعنا أنا وأنت والليل سويا ، لكن أبي لم يبقي شيء من أثرك لا ثياب ولا حتى تلك الوسادة التي ضاعت فيها ملامحي وأمنياتي ، فكل شيء وزعه للفقراء 
السرير تكسرت صلابته وتمزقت هشاشته ، وحتى تلك الساعة المعلقة على حائط روحي التي كانت تعلمني بوقت الوضوء لأقبل قدميك قد إعوجت عقاربها وماتت دقتها ، وحتى ذاك التلفاز الرمادي مذ غيابك وهو كالعجوز الأشهب يرتدي ثياب الحداد وعندما يتذكر بسمتك يخلع ثياب الحداد ويرتدي نقاؤك ويعلق الأمل شارة على أسوار شاشته ، رحلت والأرض لازالت مكانها ولكن أخذت شكل قبر والسماء تماما بنقاؤها وصفاءها أصبحت شاهدة ورسم الله عليها بعض بعضك وأضائها بكرياتي البيضاء ، لم يبقى منك شيء سوى حذاءك المرصع بزمرد عيني وبيلسان شفتي ودمعة ممزوجة لعرق جبينك أحتفظ بهم فهم وحدهم يستروا عورتي ويرمموا كياني المحطم ، مذ غيابك وأنا أعيش على حروف / أمي / الثلاث كل حرف لوجبة وأتنفس رحيقك من منديلك المذخور بكحل رموشك وزكام الذكريات ،
فليس الفقد قاتل لهذه الدرجة بل الموت منذ غيابك وهو يستحم بدمائي ويثمل على أنين أوجاعي ...



عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق