غيث مكتبي يكتب: الاغتراب الحلبي عبر التاريخ


الهجرة" عنوان عريض تسيّد عناوين المنطقة في السنين الأخيرة ورسم ابعاد عديدة اجتماعيا على الأرض هنا, وفي بلاد المهجر
فلا بد للمغترب غالبا أن يحمل ثقافة وتقاليد بلاده ويعطي منها أينما حل, ومثال على ذلك ذكريات الحلبيين مع الاغتراب حيث أن لهذه الظاهرة الاجتماعية في مدينة حلب تاريخ قديم يصل لقرنين والتي اختلفت بأزمانها وأسبابها وأحداثها.
نستعرض نبذة قصيرة عن المراحل التي مر بها الاغتراب الحلبي:
‎الاغتراب الأول: ويصل للعام 1695م حيث رحل عن حلب ثلاثة رهبان وهم جبرائيل حوا
وعبدالله قرة لي ويوسف البين وأسسوا في لبنان الرهبانيات المارونية.
‎        ومن المعروف أن أول ظهور للطباعة في اللغة العربية كان في مدينة حلب عام 1702م وليس كما هو متعارف عليه أن أول مطبعة أتت مع نابليون بونابارت وحملته,
حيث طورّها الحلبيون وطوروا مسابك الحروف العربية, فانتشرت الثقافة ضمن حلب أكثر من أية مدينة شرقية أخرى, وعند نزوح عدد من عائلات حلبية إلى البلاد الاخرى وخاصة إلى لبنان أنشئوا فيها المطابع والمدارس والأديرة فقد أنشأ الشماس الحلبي عبدالله الزاخر أول مطبعة عربية في لبنان وذلك في دير مار يوحنا الصائغ في الخنشارة.
علماً أن هذا الاغتراب يوصف بكونه دينياً في معظمه.

‎الاغتراب الثاني:  كان القرن التاسع عشر عهد تقهقر لحلب، إذ وقعت فيها ثورتا الانكشارية في عامي 1814م و1826م, وزلازل أعوام 1822م و1827م و1832م ومرض الطاعون عام 1814م والوباء الاصفر عام 1832م.
‎        كما أنه جرى في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين, واتصف بأنه هجرة المثقفين الذين لم تعد حلب تتسع لطموحاتهم, وهجرة المؤهلين من التجار الذين لاحظوا أن تجارة حلب قد تدنت إلى عشر ما كانت عليه بعد افتتاح قناة السويس, فلم تعد حلب المركز التجاري الأهم في الشرق والمحطة الرئيسية على طريق الهند, كما لم تعد القوافل تمر بها.
حيث ذكر الأسدي في المجلد الثالث من موسوعته (ص240) عن الأثر الذي تركه افتتاح قناة السويس على حلب والهجرة التي حصلت, مايلي:
‎ "وكانت الضربة الكبرى فتح قناة السويس سنة 1868م, فانتقل على أثرها كثير من تجار حلب إلى دمشق وبيروت والإسكندرية والقاهرة وطنطا ومانشستر ومارسيليا وميلانو وغيرها.
وبعد أن كانت تجارة حلب تقدر سنوياً ب 18 مليون فرنك هبطت إلى نحو مليون وثلاثة أرباعه".
‎        وقد هاجر الحلبي المسيحي زكي مغامز إلى استنبول في نهاية القرن الماضي وحرر في أهم صحفها, وأصبح عضواً في مجلس إدارة استنبول, كما ترجم معاني القرآن الكريم إلى التركية, بمجلدين ضخمين, وترجم كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" لجرجي زيدان بثلاثة أجزاء للتركية أيضاً.
‎        ولابد من أن نشير إلى الشيخ أبو الهدى الصيادي الذي كان نقيب الأشراف في حلب وكافة ولايات سورية وديار بكر وبغداد والبصرة, ثم قربه السلطان عبد الحميد وجعله نديمه ورئيس مجلس المشايخ في دار الخلافة وأغدق عليه الأموال والمناصب والأوسمة, وطبقت شهرته الآفاق وشغل الناس طوال ربع قرن, وألف قرابة المائة كتاب "حول التصوف والطرق الصوفية والسلالة الرفاعية, ودعم السلطان".
وضمن هجرة المثقفين وذوو الحكمة أيضاً وقتها..
‎        حيث هاجر الحلبيون إلى اسطنبول ولندن ومانشستر وباريس وليون ومارسيليا (هاجرت إليها عائلة ضاهر وأنشأت شركة بحرية بإسمها) وروما وأثينا وبومباي وكلكوتا وغيرها من المدن, ومن أهم من هاجر إلى اسطنبول عدد من أفراد عائلتي كوسا وتوتونجي المتصاهرتين, ونالوا التقدير من السلاطين فعينوا منهم (ذلك لأنه قد تقرر دولياً أن يكون حاكم جبل لبنان عثمانياً مسيحياً غير لبناني):
-فرنكو كوسا أفندي متصرفاً على جبل لبنان من 1868م وحتى وفاته.
-نعوم توتونجي باشا متصرفاً على جبل لبنان من 1892م ولغاية 1902م, وبعدها عين سفيراً للسلطنة العثمانية في باريس.
‎        كما أن رزق الله حسون هاجر مع عائلته من حلب إلى استنبول وأسس هناك أول جريدة صدرت باللغة العربية عام 1855م باسم "مرآة الأحوال" ثم اختلف مع السلطان عبد العزيز فنزح إلى لندن وتابع منها إصدار جريدته وشن حملة شعواء على العثمانيين.
‎        بلإضافة أنه هاجر حلبيون أعلام إلى مصر كـ عبد الرحمن الكواكبي (مؤلف كتابي: أم القرى وطبائع الاستبداد) وعبد المسيح انطاكي (صاحب مجلة الجذور الحلبية ومجلة العمران في القاهرة) وسيدة من آل كبابة أدارت جريدة (الأهرام).
كما هاجر العديد غيرهم وساهموا في نهضة مصر الثقافية, كما ساهم الموسيقيون الحلبيون بنهضتها الفنية ونذكر من هؤلاء الفنانين أنطوان الشوا وولديه سامي وفاضل وجميل عويس. ومن أعلام الحلبيين في مصر يوسف سابا باشا وزير المالية وعزيز خانكي المؤرخ القانوني والناشر عيسى البابي الحلبي والصناعيون يوسف بخاش وثابت ثابت.
‎الاغتراب الثالث:  وصفته الغالبية أنه هجرة شعبية بدأت بشكل واسع عام 1908م وكان يسافر من حلب أربعون شخصاً في الاسبوع هرباً من التجنيد العثماني واستمرت هذه الهجرة بعد الحرب طلباً للرزق في كافة أنحاء العالم وخاصة إلى ضاحيتي بروكلن وباترسن في نيويورك وإلى البرازيل والأرجنتين وسائر دول أمريكا الجنوبية, وعمل معظمهم كبائعين متجولين, ثم أصبحوا من كبار التجار والصناعيين.
‎        ولعلنا نجد في منتصف ذلك القرن الأديب عبدالله يوركي حلاق الذي أمضى عمره المديد في رحلة شاقة يحتمل الفشل والخيبات حتى وصل إلى سلم الشهرة. فلا تذكره مجلة "الضاد" إلا وتقترن باسمه. وهو الذي أسسها يافعاً قبل السن القانوني.. وحضنها شاباً يافعاً وشيخاً جليلاً.
ففي رحلتها الطويلة الحافلة بلعطاء والمنغصات فتحت الضادُّ صدرها الرحب وقلبها الدافىء للأدباء من سورية والوطن العربي ومن الأمريكيتين, فكان لها الدور البارز في مدِّ الجذور وبسط عُرى الانتماء القومي بين المهجر والوطن, وبين أبناء العروبة الذين وجدوا فيها متنفسهم النقي.
‎        وعبر عن حبه وشوقه إلى الشهباء وهو في كندا فيقول في عصير الحرمان:
إني حننت إلى الشهباء يا كندا         متى أراها؟ فمني الصبر قد نفدا
ما  كنت أحسب أن البعد عن وطني          وعن صحابي يذيب الروح والجسدا

‎الاغتراب الرابع: وهو الاغتراب الحديث الذي شمل بعض المثقفين الذين غادروا حلب لإكمال دراستهم العليا في الخارج وبقوا بعد التخرج هناك, كذلك هجرة بعض العائلات التجارية والصناعية باتجاه لبنان على الأغلب ثم هجرة العمال والموظفين والحرفيين إلى فنزويلا والبلاد العربية وغيرها.
أي أنها توصف ب هجرة البحث عن تحسين للحال الاقتصادية والبحث عن فرص عمل وتعليم.

‎الاغتراب الخامس: (الحالي) في ظل الصراعات التي تسود المنطقة في السنين الأخيرة بلا شك أن حلب جنت حصتها الكبيرة من الدمار والتهجير مثل شقيقاتها السوريات, حيث عزم العديد من العائلات السورية والشباب السوري على الهجرة والعبور إلى دول أوروبية كـ ألمانيا والسويد.
تحت أهداف عديدة ومختلفة منها الأمان والمنح المالية والأهم الحصول على بيئة حاضنة تحوي كل مقومات العيش الهني لتأمين مستقبل أفضل, حيث لم تعد البلاد قادرة على تلبية الاحتياجات المادية والمعنوية بما تعيشه من حروب واقتتال.

وهكذا نجد أنه مهما تعلق الفرد بأرضه لابد من أن يواجه مصاعب ترغمه على الابتعاد ومواجهة سلبيات الاغتراب, إلا أن الحلبي وتاريخه الحافل بهذه الرحلات أثبت أنه قادر على الانخراط في المجتمعات الأخرى بل إثبات نفسه وبقوة من خلال النجاحات الكبيرة التي حققها في بقع الأرض العديدة التي وطأتها قدمه وصدق من قال أنه
"لا توجد سماء بلا نجوم وكذلك لا توجد أرض لم يصلها حلبي".

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق