محمود العكري يكتب: سقراط الحكيم



يذهب التقليد الفلسفي إلى الإتفاق على أن المرحلة الثانية من الفلسفة الإغريقية تمثل القمة في مجمل تاريخ الفكر الفلسفي اليوناني، حيث تم اعتبار الفترة الأولى بمثابة تحضير العقل الإغريقي لنفسه و تمرنه على الحركات الفلسفية اللازمة وذلك من أجل الانتقال إلى مرحلة النضج التي تتمثل في انفجار عبقرية الإغريق ابتداء من عصر بركليس إلى غاية وفاة أرسطو. وإذا ما اتفق معظم مؤرخي الفلسفة على أن المرحلة الثانية من الفلسفة اليونانية تمثل الأوج، فإن مفكرا مثل نيتشه قد سار ضد التيار معلنا عن تحدي الجميع بأن المرحلة الثانية هي مرحلة الإنحطاط والفساد، وتماشيا مع الطرحين الذي يذهب الأول فيهما إلى اعتبار الفترة الثانية فترة أوج، والطرح النيتشوي، يجب علينا التطرق لبعض الإستشكالات ومحاولة الإجابة عنها في مقتبل تحليلنا لهذا الباب: ما الذي جعل نيتشه يذهب ضد التيار ويصف مرحلة الذروة الفلسفية في الفكر الإغريقي بالإنحطاط؟ وأين تتجلى مظاهر وأسباب هذا الإنحطاط؟ وما هي الأسماء الفلسفية المسؤولة عن ذلك؟ إذا كان نيتشه ليس رجلا، بل حزمة ديناميت كما يقول عن نفسه، فإن أكبر من تضرر من انفجاراته النقدية الهدامة في العالم القديم هو سقراط، حيث ذهب إلى وصفه بأقبح النعوت وجعله السبب في غياب نجم الفلسفة اليونانية الحقة. ولا نكاد نطلع على كتاب من كتب نيتشه، أو حتى كتاب يتحدث عن فلسفة نيتشه إلا ونجد إشارة إلى موقفه من سقراط. فإذا كان هيجل قد جعل من شخصية سقراط الأثيني أعلى مرتبة من عيسى الناصري، فإن نيتشه قد أنزله إلى منزلة دون العبيد بكثير. وإذا كان روسو قد نصبه مبشرا ونبيا لديانته الطبيعية، فإن نيتشه قد جعل منه أكبر شرير ومحتال في الفلسفة الإغريقية. فما هي الدوافع التي جعلت نيتشه يستبدل الصورة الجدية والمقدسة لسقراط بصورة مشوهة وكاريكاتورية؟ لقد أشهر نيتشه إيمانه بقوة الغريزة، سالكا طريقا مغايرا لذلك الذي اتبعه كل الفلاسفة التقليديون وعلى رأسهم سقراط، فكان هجومه على العقل عنيفا عندما أعلن مواجهته لطغيان الإله أبوللو، إله العقل والنظام والوضوح والاتزان مستعينا في هجومه هذا بالإله ديونيسيوس، إله الغريزة والفوضى والغموض والسكر عند اليونان، معلنا في الوقت نفسه على أنه آخر تلاميذ الإله ديونيسيوس. ويتضح لنا جليا أول هجوم من نيتشه على العقل في كتابه ميلاد التراجيديا على الرغم من أنه هجوم غير مباشر، لأن نيتشه في حقيقة الأمر لا يهاجم العقل بل يهاجم سقراط باعتباره ممثلا للنزعة العقلية. وسقراط الذي يهاجمه نيتشه ليس مجرد شخصية تاريخية وحسب، ولكنه ظاهرة تجسد كل ملامح الفلسفة التقليدية ونزعتها العقلية، وبهذا فهجوم نيتشه على سقراط لا يمكن فصله أبدا عن هجومه على الفلسفة التقليدية. وفي هذا الصدد يقول نيتشه موضحا ما يقصده بالضبط من مرادف السقراطية: " إن السقراطية تشير إلى دوافع ونزعات معينة سميت بعد سقراط لأنه كان أعظم تجسيد لها ". إن انشغال نيتشه بالبحث عن تبرير ملائم للحياة كان واضحا منذ بداياته الفلسفية وقد عبر عن هذا في المرحلة الأولى من حياته، معتبرا أن الفن كفيل بتبرير الحياة، وهذا الفن يتمثل في التراجيديا الإغريقية فالدين والفلسفة والأخلاق السائدة لم تكن كافية لتبرير الحياة، مما يؤكد أنه طوال حياة نيتشه كانت هناك قضية أساسية بدت وتطورت في كتاباته تدريجيا بفعل الزمن، ف ميلاد التراجيديا وإن كان يتكلم عن الفن والتراجيديا بصفة خاصة، إلا أنه يبقى كتاب فلسفي يبحث في معنى الحياة الإنسانية وقيمتها وبالتالي يمجد التراجيديا الإغريقية كتبرير ملائم لها. وفي هذا الصدد يقول نيتشه " إن التراجيديا الإغريقية قد واجهت نهاية مختلفة عن تلك التي واجهتها أخواتها من الفنون الأقدم لقد انتحرت التراجيديا نتيجة الصراع اللدود، وماتت بطريقة تراجيدية، على حين أن الفنون الأخرى قد ماتت في سكون وبطريقة جميلة في عمر متقدم " . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: من المسؤول عن موت التراجيديا؟ يذهب نيتشه إلى القول " بأن يوربيدس قد أحضر المشاهد إلى خشبة المسرح بأن مثل شخصيته وأبطاله التراجيديين أبطال عامة، وواقعية بطريقة مؤلمة بعكس أبطال أسلافه، وكلامهم أقل قوة، لا يمجد ولا يثير الخيال ". إن يوربيدس هو الذي خاض هذا الصراع المميت ضد التراجيديا، فكانت النتيجة هي انحطاط الذوق الإغريقي وحضارته، ما دام أن يوربيدس قد أعد الجمهور لاستقبال الكوميديا الأتيكية الجديدة. و يذهب نيتشه إلى تبيين العلاقة التي تجمع بين يوربيدس وسقراط في إطار التشارك بينهما في مسألة قتل التراجيديا الإغريقية قائلا: " كان يوربيدس في معنى من المعاني مجرد قناع وكان الكاهن الذي تحدث باسمه ليس ديونيسيوس ولا أبوللو أيضا، بل كان روحا حارسة مولودة حديثا يدعى سقراط ". من هنا نفهم طبيعة الاتفاق الكامل بين سقراط الفيلسوف ويوربيدس الشاعر في مجموعة من النقاط التي سنأتي على ذكرها، والتي أدت مجتمعة إلى القضاء على النظرة التراجيدية التي كانت قائمة، ومن أبرز هذه النقاط أن سقراط يعتبر من الفلاسفة القائلين بوجود غائية كونية وهذا يعني وجود عناية إلهية وكذلك يعتبر من القائلين أن كل حركة أو ظاهرة في الوجود هي موضوعة ومرتبة من أجل غايات معلومة في العقل الإلهي، وهي خدمة الإنسان. ونفس الشيء قال به يوربيدس عندما أدخل فكرة أنكساغوراس القائلة " في البداية كانت الأشياء مختلطة ببعضها، ثم جاء العقل ليبدع النظام ".

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق