الجيلالي طاهري: يكتب: المتبني المتعاطف


يخطر في بال العديد من الناشطين الشبان خاطر ذو أهمية بالغة تمس أساسا التشكلات الجمعوية والتجمعات الشبانية ذوات الغايات النبيلة والأهداف الحسنة الجليلة ، فمبدأها على الغالب حب العمل والنشاط الفاعل لتغيير واقع ما ، ثم إذا عزم الأمر وتأكد الحزم تلافيت الشتات على طول الطريق نحو الهدف المسطر ، فمن بداية الطريق إلى منتصفه أو ربما حتى نهايته –إذا صح العزم ولو من اثنين- إلى الهدف المنشود ستجد أن ثلثي إذا لم نقل أكثر من ذلك ممن تجمع في بداية الطريق قد فُقدوا في نهايته ، وهذا كله ملاحظ مشاهد لا يكاد يخلو منه أي تجمع بتفاوت في الأثر و"عدد المفقودين"!.
وإذا نظرنا في ذلك كثيرا وتأملنا فيه وفي ما يمكن أن يقترن به زيادة في الحدة أو نقصانا من الفعالية ، لعزونا ذلك إلى غياب التخطيط والرؤية الواضحة لطبيعة النشاط تارة أو إلى غياب التكوين على الصعيد الشخصي لأفراد التجمع تارة أخرى أو ربما حتى إلى عدم الانسجام بين الأفكار والأفعال وبين أفراد التجمع أنفسهم... ولكننا لا نجد مهربا من أن نعترف بأن كل ذلك مُتدارَك يُرجى له الإصلاح حتى يُتجاوز ، وقد يكون سببا في الشتات ولكنه في الحقيقة ليس سببا أساسيا يمكن أن نعزو إليه تلك النتيجة كلها.
ثم يلوح في الأفق سبب يغلب بالحجة على تفكيرنا أنه سبب عميق قد يكون من نتائجه ذلك الشتات أو حتى انهيار التجمع بكامله ، وهو "عدم التمييز بين المتبني والمتعاطف".
فمضمون أي تجمع وغايته كانت في مخاضها الأول فكرة لشخص أو شخصين أو ثلاثة ثم بعد انتهاء المخاض أذاعوا بالفكرة الوليدة لمجموعة أخرى من الأشخاص نُودوا بناءا على مواصفات رءاها أصحاب الفكرة (ويمكن أن نسميه الثلاثة المؤسسون) أهلا لحملها وتطويرها وتطبيقها ، ولكن أولئك الثلاثة لم يراعوا في اختيار هؤلاء الأشخاص طبيعة قدوم كل واحد منهم للمساندة ومدى استعداده للمضي قدما لأجلها. فهؤلاء الأشخاص ينقسمون استلزاما إلى فئتين: فئة قدِمت تعاطفا مع الفكرة أو مع الأشخاص ، وفئة قدمت تبنيا للفكرة. والفرق بين الفئتين بسيط التركيب خطير الأثر ، فالفئة الأولى وإن ساعدت في البداية فلا يمكن لها أن تواصل لقصر نفسها وغياب الروح الدافعة نحو ما يصبو إليه التجمع ، أما الفئة الثانية فتراها على طول الطريق في نشاط دؤوب تحريا للأفكار الجديدة وسعيا لتجسيد مخطط التجمع وتفعيلا لمضامينه حتى وإن غاب أحد الرؤساء أو كلهم فهذه الفئة تؤمن بلامركزية الرأي ولاسلطوية القرار وإنما ترى أن الهدف واحد يسعى له الجميع بتواصل دائم وتتابع مستمر. إذن أفراد الفئة الأولى متعاطفون ساقتهم العاطفة إلى غير موضعها وهو ما يجر الوبال عليهم وعلى التجمع بتوليد الخصومات ورمي بالتخاذل والنفاق وربما تجاوز الأمر إلى أبعد من ذلك حسب حجم وأهداف التجمع ، ونرى من الجانب الآخر الفئة المتبنية للفكرة المتشبعة بها وبكل ما يتعلق بموضوعها هي التي تجدّ وتكدّ ثم تتصادم مع الفئة الأولى التي تشكل حجر العثرة بتضخيم الصعب وتغييب السهل لتضعف الهمم.
والسؤال: كيف يمكن للأفراد المؤسسين أن يتجاوزوا ذلك منذ البداية؟.
وهنا لا يسعنا سوى ذكر حل وحيد أثبتت التجارب على مر التاريخ مدى جدواه وهو أن لا يُنادوا بالتأسيس ابتداءا وإنما يسعون أولا "لتخمير" الفكرة لدى الأفراد بالتحدث عنها في المجالس وسرد متعلقاتها وجس نبض الأفراد اتجاهها ، فمتى تخمرت الفكرة لدى عدد معتبر من الأفراد وصارت هاجسهم صار بالإمكان المناداة بالتأسيس ، فأغلب الحاضرين فيه حينئذ على نسبة تفوق الثمانين بالمائة متبنيون للفكرة ، ولكن السؤال المتفرّع هو كم تستغرق "مدة التخمير" هذه؟ ، ولاشك أنها مدة ليست بالقصيرة وتتفاوت حسب الفكرة وخطورتها وحسب وضوحها وطريقة طرحها.





عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق