عدنان الحسن يكتب: هذه ليست حياتك وهذا ليس هو أنت



عند المساء إنتهى عمله وهو بطريقه إلى بيته كانت عيناه تنظران ذات اليمين والشمال بحثاً عن الحياة أو شيء منها فلم يكن  ليرى إلا الجوع من جهة والموت في أخرى ، دخلَ إلى بيته الأشبه بمقبره وهو ينادي سبحان ربي الذي جعل لي بيت ولم ينبذني في العراء ، ذهب إلى الحمام ليغتسل فلم يجد ماء فصرخ بصوتاً عال : 
حتى الماء حتى الماء ، ماهذه الحياة إنها ليست حياة بل هي جنازة بإنتظار الدفن  !!
 فتح ثلاجته فلم يجد إلا حبة زيتون وقطعة خبز ، أكل وسد جوعه ثم لعن الفقر والحرب حتى تعب ودخل لغرفتهِ المسجونه فيه والمسجون فيها ، فتح نافذته المطلة على الشارع ليشم الهواء لطالما أنه مازال بالمجان ولم يشترى ويباع بعد ، فإذ به يرى شيخاً طاعن بالسن يتجه الى حاوية القمامة ، فسأل نفسه بإستغراب عن ماذا يبحث هذا الرجل ؟
وماهي إلا لحظات وإذ بالقطط والكلاب يبتعدوا عن طريقه حين سمعوا صوته وكأنهم يعرفوه ،، أمعن النظر وركز أكثر ليرى ما يحدث هناك بدقة ، وإذ بذلكن الشيخ يأخذ فتات الخبز وبقايا الأكل من الحاوية ويأكل حتى شبع ولملم ماتبقى من طعام ونادى الكلاب والقطط  بأسماء لا أحفظها وبلغة لم أفهمها وأعطاهم حصتهم وأخذ القليل معه وذهب .

حزن كثيراً ذلكم الشاب على حال الشيخ وتأثر فما كان أمامه إلا أن يلعن العرب والعروبة ألفاً ومرة ، مضى الى سريره وهو يردد : كيف لإنسان بأن يتقاسم والحيوانات طعامهم ، ماهذا الجحيم الذي نعيشه بحق السماء ماهذا الوبال هل نحن حقاً أحياء أم أموات نحتضر على فراش الحياة  ، ثم إستلقى على سريره الذي يشبه تابوت وأخذ كتاب للروائي الذي يحب ( ليو تولستوي ) وبدأ يقرأ بصوت عال :

/في عام ١٨٧٣ كان سيماخوف يعيش في بيت بمنعزل عن بيوت أهالي القرية ، سيماخوف كان معروفاً لدى سكان القرية بقوة جسدة وفصاحة لسانه وجمال قوامه ووسامة وجهه حتى كانت أغلب النساء الحبلاوات يذهبن لينظرن إليه بإمعان في إولى أشهر حبلهن ، عسى أن يرزقن بشبيه لسيماخوف ،، سيماخوف إبن الأربعون عاماً كان قد تزوج في العقد الثلاثون من عمره وفي الثلاثة والثلاثون ماتت زوجتهُ ميدنا إثر حريقاً إلتهم كل ماكان في بيته !! ولم يبقى من ذكراها شيء إلا الكلب تشوسي ،، ذلك الكلب الصديق الشاهد على حبهما وزواجهما وفراقهما .
كان سيماخوف في كل فجر يوم ينزل إلى سوق القرية ليشتري الخبز واللحم أو الدجاج والخبز أو الحليب والخبز كان يشتريهم بالتناوب ولا يشتري أي شيء أخر غيرهم  ،
وكان هذا الأمر مثير لفضول صاحب الدكان  ، فحاول أن يسأله مراراً ولكن خوفه من سيماخوف منعهُ .

وفي ذات يوم تجرأ وسأل :
- سيماخوف الطيب لماذا لا تشتري البن والشاي والعسل والخوف كان يقطع الحروف والكلمات من على لسانه ثم واصل قائلاً :
- لقد وصلني شاي من سيرالانكا هو من أجود أنواع الشاي في العالم جربه لن تندم ، وكذلك البن البرازيلي ماذا قلت سيماخوف ، والعسل النيوزلندي الأصلي الطعم والفائدة لا تنسى الفائدة سيماخوف الصديق .
- فرد سيماخوف بغضب قائلاً : بكم اللحم اليوم ، أخذ اللحم والخبز وترك الأسئلة التي طرحها صاحب الدكان بلا إجابة .

/ أما عن سيماخوف فكان يعمل بالزراعة يملك مزرعة صغيرة أمام البيت يزع بها الخضار ويبعها للتجار ويعتاش منها .

لم يترك فضول صاحب الدكان سيماخوف وشأنه ، فقرر أن يراقبه من بعيد عند مجيئه في الصباح القادم ، 
 وفي اليوم التالي جاء سيماخوف وكلبهُ معهُ وفي وجهه غضب وحزن ، فتقدم صاحب الدكان وهو يرتعش من الخوف - أهلاً سيمخاوف أهلاً بك وبكلبك الوفي تشوسي أهلاً تفضل لحم أو دجاج أم حليب تريد اليوم ،
سيماخوف : لا بّل أريد البن والعسل والشاي
صاحب الدكان : حقاً أم أنك تمزح 
سيماخوف : أحضرهم لي ولا تكثر الحديث ؟ 
لكن أريد أن أكل العسل وأشرب الشاي والبن عندك في الدكان ، هات لي العسل في صحن والشاي في كوب والبن كذلك ،
صاحب الدكان : حقاً تريد أن تجلس معي ، أهلاً إنه يوماً جميل حقاً شكراً ، سأذهب لتحضير ماطلبت ،

/ وماهي إلا دقائق وكانت الطاولة التي طلبها سيماخوف جاهزة .

صاحب الدكان : تفضل ها هو كما طلبت ،
سيماخوف : حسناً سآتي  .
/ تقدم سيماخوف إلى الطاولة ودموعهُ تتساقط أمام خطواتهِ وكأنهُ يمشي لحدفه ، إقترب من العسل وشم رائحته وأطال ، ثم الشاي كذلك والبن ، ونظرات صاحب الدكان الفضولية كانت تراقب عن كثب ما يحدث ، وسيماخوف مازال يشم وعيناه مغمضتان ، لحظةً يبكي ولحظةً يبتسم ، والفضول يزداد عند صاحب الدكان ، حتى أخذتهُ الجرأة ليسأل بلا وعي وبلا إدراك قائلاً :
سيماخوف لن أتركك حتى تشرح لي لما كل هذا ، تارة تشعرني وكأنك في جنازة وتارةً في عرس ماذا يحدث هناك في دماغك ،، أريد أن أعرف أرجوك قل لي .
- سيماخوف : حسناً .. سأنادي الكلب ليأكل معي مما قدمت فإذ أكل أكلت وإن تمنع شرحت لك القصة 
- تقدم الكلب تشوسي وشم ما وضع على الطاولة ، ثم ترك وذهب لمكانه الذي كان فيه .
- صاحب الدكان : أريد أن أعرف الآن ، ما معنى هذا ، أنت تعرف أن الكلاب لا تأكل العسل ولا تشرب البن والشاي ، هل تسخر مني سيماخوف ؟

-  سيماخوف : حسناً سأخبرك !!
- لقد فقدت زوجتي منذ سبع سنوات ومن ذلكم اليوم الذي فقدت زوجتي فيه عاهدت نفسي بأن لا أتزوج  غيرها ، ولا أحب شيء أكثر من كلبي هذا ، أما عن الدموع فكانت حسراتي وشوقي لكل ما أحب من ملذات كنت أكتمها في قلبي منذ سبع سنوات ، وأما عن إبتسامتي فكانت لتلكم الذكريات التي كنت أجلس وزوجتي فيها على طاولة كهذه ونحتسي القهوة أو الشاي سوياً ، صحيح هي فارقت حياة ورحلت ،  لكني فارقت كل شيء مذ فراقها حتى أنا فارقتني وتركتني وذهبت إلى حيث لا أدري !!

- عند حريق بيتي خسرت كل ما أملك وما إدخرت ولم أعد أملك سوى هذا الكلب وقطعة الأرض وباقي ماتبقى من ركام وحطام بيتي ، ومزرعتي صغيرة ولا تدر علي في اليوم إلا إثنان إلى خمسة روبل ، ففي اليوم الذي أبيع خضارها بأثنان روبل فطعامي وطعام كلبي هو الحليب والخبز ، وفي اليوم الذي أبيع به بخمسة روبلات فطعامي وطعام كلبي هو الدجاج أو اللحم ، وفي حال إني أردت شراء القهوة أو الشاي أو العسل أو أي شيء أخر أشتهيه فلن يبقى لكلبي شيء ليأكله لأن المال الذي أملك لن يكفي ويسد حاجتي  ، وقد عاهدت نفسي بعد وفاة زوجتي بأن لا أشبع إلا وكلبي شابع معي ؟
-  فإما أن نشبع سوياً أو نموت جوعاً معاً ! 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق