نغم خيطو تكتب: يوم كان رغيف الخبز أكبر الأمنيات



لطالما تمنينا أن يعود بنا الزمان إلى تلك الاماكن التي تحمل الكثير من الذكريات ونقف أمام كل زاوية من زوايا منزلنا ، ونسترجع الذكريات والأحداث ، في الواقع نحن لا نشتاق لتلك الذكريات فقط ،بل إننا نشتاق لأنفسنا وكيف كنا حين ذاك ، ذكريات الطفولة البريئة ، ربيع العمر وبراعمه المتفتحة في صباحات الحياة الهادئة الخالية من المشاكل والهموم ،لايشوبه شئ ،يمتلئ بالحب والحنان ،كنا نعيش اليوم بيومه بل الساعة بساعتها،لا يأخذنا التفكير ولا التخطيط لغد ولانفكر كيف سيكون،

نشتاق لذلك الزمان الذي كنا نؤمن فيه بأن مشاكلنا يمكن أن تحل بقطعة شوكولاتة .

لكن أطفال الحرب عندما يكبرون هل سيتمنون أن يعود بهم الزمان ليسترجعوا ذكريات الحرب والحصار الخانق ورائحة الدم وأشلاء أقرانهم وعائلاتهم في الطرقات ؟!

هل سيتمنون أن يركبو آلة الزمن لترجعهم ولو للحظة واحدة لمعاناتهم ومآسيهم، ليعيشوا اليوم كألف يوم والساعة كألف ساعة من الجوع والحرمان والأمل والأنتظار؟

عندما كبرنا تمنينا أن نرجع صغارا لنفتعل المشاكسات ونتحايل بالغياب عن المدرسة وشرب الدواء ونكسر ألعابنا ثم نبكي عليها ، ونتذكر كبار السن الذين يشعلون أمسياتنا بحكاياتهم الشيقة التي تروي سجلات دفاترهم المهترئة ونصائحهم الجميلة .

ما الذكريات التي سترسخ بأذهانهم البريئة عندما يكبرون؟ التي أحيطت بغبار الظلم والقهر ، هل سيتمنون استرجاع ذكريات الحصار المطبق الذي فرض عليهم؟ ،أم بحثهم عن ما يسد رمقهم في ظل الجوع من خبز يابس ،وحشائش وأوراق الأشجار،

هل سيتذكرون بأنهم كانت أكبر أمنياتهم وقتها أن يأكلو رغيفا من الخبز .

نحن عندما كبرنا عدنا لنحلم بذلك العالم الجميل المليئ بالحب والأمان ، كانت قلوبنا صافية صادقة صفحة بيضاء نقية لم تعهد الكره والحقد والخيانة والغدر.

أما هم ماالذي ستختزنه ذاكرتهم من تفرق وتشرد وفقدان للأم والأب والأخوة؟ في زمن الحرب الذي سرق منهم الأمان والعيش بهدوء ، الذي جعل منهم كبارا بأجساد أطفال.

عندما نسأل أي طفل لا يعيش ظروف الحرب ما هو حلمك الذي تريد تحقيقه ؟!يكون جوابه طيارا ….مهندسا..دكتورا..معلما…محاميا..

أماالأطفال في ظل الحرب كانت أجوبتهم نابعة عن معاناتهم أحدهم كان حلمه أن يرى والده المتوفي والآخر قال أتمنى أن يرجع بي الزمان لتعود والدتي المتوفاة وتيقظني صباح العيد وتسرح شعري وأقبل يدها وأخرج للعب مع أصحابي ..أما الأمنية التي أبكتني لطفلة خلف أسوار الحصار “أتمنى أن أكل رغيف خبز “وبطاطا مقلية”.

الحرب طالت النفوس ولم تقتصر على تدمير المدن و القرى السورية ، والأطفال هم الشريحة الأكثر تأذيا وضياعا ،فقدو برائتهم بمشاهدة المجازر الكارثية، فوقعوا ضحية الأسلحة والحروب والنزاعات.

تجسد حرمانهم من الطفولة بترك الألعاب التي اعتادوا عليها واستبدلوها بألعاب الحرب ، أما من أسعفه الحظ ونزح من البلاد بات معيلا لأسرته بعد غياب والده الشهيد أو المعتقل أو المفقود ، وتغيب عن الدراسة وأصبح حلمه الاستقرار وحقيبة مدرسية يضعها على كتفه ويكمل دراسته كغيره من أقرانه الذين ينعمون برغد العيش في البلاد المجاورة .

مازن الطفل ذو العشر سنوات ،فقد أسرته وطفولته تحت أنقاض منزله ، ذاك المشهد الذي سلب منه والديه وأخاه الصغير وسرق ضحكته ومستقبله وأمله بالحياة .

فهل هذه الذكريات ستجعل من مازن رجلا حاقدا ؟ هل هذه الذكريات ستجره الى الطريق الخاطئ؟ أي حياة سعيدة تنتظر طفلا خسر الأمان بخسرانه لوالديه؟

لا بل السؤال هنا ، هل سيتمنى مازن أن تعود طفولته المقتولة؟ كما أتمنى أنا وأنت وأنتم أن تعود طفولتنا؟

أم ستصبح عبارته “تمنيت أني لو لم أتمنى ” حتى لا أرجع لقلبي الأحزان.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. هذا أكثر ما يؤلمني عندما سيأتي يوم ويسأل أولادنا واحفادنا مازا فعلتو عندما ضاق الخناق على بلادكم.

    ردحذف