عبد الله المرضي يكتب: المقهى الوطن


فور مغادرتي المدرج و كالعادة ولجت المقهى رفقة ثلة من زملائي وأنا جالس في ذاك المكان الذي تختلط فيه كل الأجناس فتجد المسؤول و الموظف و المستخدم البسيط، المقهى حيث يجلس رجل الأمن جانب العاطل، و المخبر جانب بائعات الهوى، و المْعْلّمْ جانب طَالْبْ مْعَاشُو، هو مكان يحتضن الكل.
وأنا جالس في المقهى تقدم عندي النادل الذي لم تسعفه إجازته في الحقوق من حق بسيط في ايجاد وظيفة يربط فيها عنقه بكرافاطة المكاتب لا بربطات عنق المقاهي، ألقى التحية و مسح الطاولة و سألني ان كنت أريد سندويتش كالعادة ...
وأنا جالس في المقهى أنتظر 'سندويتشي'، كان جيراني الذين اقتسموا معي ذاك الفضاء يتجاذبون أطراف الحديث في مواضيع متعددة، يتحدثون في كل شيء، أما عشاق الصمت فيلتجؤون لفك شبكات الجرائد و المجلات أو مطالعة غسيل بنكيران و شباط و حوادث الاغتصاب و مواضيع الجنس و الرياضة و صور فنانات شبه عاريات أو أي شيء يجدونه في صفحات الجرائد.
وأنا جالس في المقهى فكرت كم يجني صاحب المقهى يوميا من الأرباح، في المغرب بين كل مقهى و مقهى تجد مقهى و مع ذلك "كلشي عامر"، و بسبب كثرة الإقبال على المقاهي أصبح كل من يجمع من يجني قدرا من المال من الرياضة أو البرلمان أو الغربة يفتح قهوة، هو مشروع مربح في مغرب أغلب مواطنيه لا برنامج حياة لهم٬ لهذا لا يملون من حديث المقاهي حيث يأخذ كل زبون مكانه، الفتيات يفضلن البلكون حيث يمكنهن وضع "الكلاكسي" و "البلاك بيري" و "الأيفونات" الملونة جنب علبة "المارلبورو" و التدخين بشراهة لتعويض ما ضاع منهن من نيكوتين، أما أصحاب الكرافاطات الملونة فيفضلون الجلوس في رصيف المقهى حيث يمكن تخضير العيون بمنظر الطالبات و الفتيات اللواتي يخرجن لابسات لباس السهرة و من الساعات الأولى للصباح.
وأنا جالس تخيلت لماذا يقبل "كحل الراس" على المقهى و يقضي بها ساعات بدون كلل و لا ملل، تمعنت في وجوه باقي الجالسين و حاولت تخيل حكاياتهم، هم أناس لا أعرفهم لكن جمعتني بهم طاولات مقاهينا، هناك الذين يأتون الى المقهى مباشرة بعد فتح عيونهم في ساعات الصباح الأولى لشرب "نوار قاصحة على الريق"، هناك الفتيات اللواتي يأتين للبحث عن زبون ضحية جديد كما هناك اللواتي يأتين للإفطار في المقهى وعلى وجوههن أثار سهرة صاخبة و ممتعة متعبة في الآن نفسه، يطلبن عصير من الفواكه لاسترجاع أنفاسهن قبل أن يطلبن قهوة يشعلن معها سيجارتهن الصباحية الأولى، أحاول تخيل حكاية كل واحدة منهن، بعضهن جميلات و تقول تقاسيم وجوههن أنهن بنات ناس لكن الزمان غدار لا يرحم، مع الوقت تحولن لسلع رخيصة في أسرة متنقلة ينزلن ضيفات كل ليلة في بيت، اختصرن وجودهن في حقيبة يد صغيرة جمعن داخلها أغراض خاصة: مشط و أدوات تجميل و بطاقة وطنية و بعض المستلزمات التي قد يجدنها معهن وقت الحاجة.
هناك أيضا التلميذات اللواتي يهربن من حصص العربية و الفلسفة المملة و يتسللن مع أصدقائهن الذين غالبا ما يكونون من سائقي الطاكسيات لتدخين سيجاراتهن الأولى في الحياة، بعضهن يتصورن أنهن ينتصرن على العالم من خلال هذه السيجارة، يكتشفن مذاقها و ينفثن الدخان أمام وجوه أصدقائهن ليعطين الانطباع بأنهن عريقات في التدخين.
هناك أيضا المثقفون، هذه الفئة من الزبناء يكرهها أرباب المقاهي، السبب بسيط لأنهم قادرون على السَّكَن في إحدى طاولات المقهى طيلة اليوم حول فنجان قهوة بلا تعب، لذلك أفلست كل مقاهي المثقفين التي كانت معروفة ولولا اجتياح العاهرات اللواتي عوضن المثقفين لهذه المقاهي لأقفلت هذه الأخيرة أبوابها منذ زمن طويل. ترى !! الفحش و الثقافة أية علاقة ؟؟
وأنا جالس في المقهى تذكرت موعدي الغرامي الأول مع فتاة الأحلام (لي معرفنا فين شاداها دبا)، لسبب غامض تطلب الفتاة في "الرونديفو" عصير برتقال، المواعد الغرامية التي نخرج منها بصداع حاد في الرأس و بثقب كبير في الجيب.
وأنا جالس في المقهى تذكرت حين اكتشفت لأول مرة نشوة قراءة الجريدة و نشوة الانتصار عندما ننجز شبكة الكلمات المسهمة و السودوكو الصعب بدون أخطاء.
… وأنا جالس في المقهى ، أراقب العالم الذي يسير من وراء الزجاج، يتحرك، يتشاجر، يعاكس، يطارد، يسرق، يتسول، يصارع الحياة اليومية بقفازات ملاكم من وزن الذبابة في حلبة بحجم الوطن، تذكرت أنني قد أطلت نوعا ما جلوسي في المقهى فناديت النادل المجاز لأدفع ما علي قبل أن انصرف و لسان حالي يقول غدا سأعود لأحضانك من جديد يا مقهاي و وطني الحبيب.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق