ارحو عيسى يكتب: دفاعا عن الفلسفة العربية



يعتبر سؤال الإرث الفلسفي الإسلامي أحد الأسئلة الإبستمولوجية التي اتخذته تقاليد فكرية موضوعا للدراسة من منظورات معاصرة مختلفة، من ثمة راهنية التساؤل حول هذا الإرث، و حول دلالات حضوره، و الفائدة التي  يمكن أن يقدمها لما نعيشه اليوم من معضلات في مختلف الميادين الفكرية. 
فأحيانا يتحول مضمون هذا التراث إلى حقل صراع التأويلات الفكرية بين من ينتصر لفهم إيديولوجي معين و بين من يستخدم بعض المضامين الفكرية للتراث توظيفا سياسيا يسعى من خلاله لدعم موقف سياسي... 
 هكذا يتحول التراث الفكري إلى آليات لحل مشكلات معاصرة بل يرى فيه البعض نبراسا لفك لغز المعضلات التي نشكوها في حاضرنا الثقافي منه  و الفكري سائلين من هذا  التراث تحقيق حداثة، لإستكمال أو إحياء نهضة، ربما لم يفلح أسلافنا في تحقيقها. 
لكن موضوعنا في هذه المقالة القصيرة جدا هو تصحح و التصدى لبعض الرؤى التي تبخس مجهودات العقل العربي بواسطة أحكام مسبقة لها أبعاد إيديولوجية لا تمثل واقع الفلسفة العربية بصلة ، وليس البحث في مضمون هذا التراث الفكري .
إن تصفح كتب تاريخ  الفلسفة نجد ميل غير مبرر لحجب مساهمة الفلاسفة العرب في  مسار رحلة الحكمة، و ما يؤكد قولنا هذا هو بعض مواقف أدلى بها مفكرين عظام تنقص من قيمتها بل و تشكك في أصالة الفلسفة الإسلامية، في مقدمة هذه المواقف نجد، موقف الفيلسوف الإنجليزي الكبير برتراند راسل في كتابه "حكمة الغرب " حيث يقول " الفلسفة العربية ليست ذات أهمية كالفكر الأصلي، وأن الشخصيات مثل ابن سينا وابن رشد عبارة عن معلقيين بالأساس" يبدو على أن موقف راسل من الفلسفة الإسلامية، يحمل دلالات تنم عن نظرة النقص تجاه هذا التراث الفكري، فعلا هناك  توظيف الفكر الإغريقي في علم الكلام كما تم توظيفه في سياقات سياسية و إيديولوجية، أحيان تقود إلى تجديد وتفعيل لإرث لآخر (اليونان) لكن ينسى أو يتناسى أن هذا التوظيف   يفضي الى تصور جديد، و أكبر دليل على ذلك هو الرفض الذي تعرضت له الأرسطية الرشدية في الغرب، هذا الرفض  سيكشف على أن أرسطو اليونان ليس هو أرسطو العرب، ويؤكد على عنصر الجدة و الإضافة في الفكر الفلسفي  العربي و يوحي بأن أرسطو الوافد من العرب لحقه التجديد يحمل شهادة المساهمة العربية في  إعادة هيكلت  تصورات الإغريق وليسوا معلقين فقط كما أكد رسل و آخرون.
فالكنيسة التي كانت قبلت بتعاليم الأرسطية و بتدرسها في معاهدها اللاهوتية، لما كانت تقدمه  الصرامة المنطقية الأرسطية من خدمات جلية للاهوت المسيحي، سنجد بأن  الكنيسة نفسها  رفضت أرسطو العرب بشكل عنيف و نص التحريم كما قال الجابري "واضح ومدلوله بالنسبة لتاريخ الأرسطية العربية ذو أهمية رئيسية، إن الكنيسة مصممة على سد الطريق أمام أرسطو العرب،ط" _56 (نحن و التراث)
كل هذه الشواهد التاريخية تلغي كل  محاولات طمس إنجازات العقل العربي في الفلسفة ، الواقع التاريخي يؤكد العكس.
 إن أي تتبع بريء لمسار رحلة الحضارة من الإغريق إلى الغرب الأوروبي سيتوقف لا محالة عن دور العرب في هذا المسار بل ودورهم المركزي في تسليم مشعل الحداثة للغرب ، في مختلف دروب الفلسفة و العلم. 
في مجال الفلسفة نجد مساهمات متنوعة مع إبن رشد إبن باجة وابن طفيل ... في المغرب العربي وفي المشرق نجد  إبن سينا،  الغزالي .... قدموا أعمال فكرية أصيلة، شكلت تمهيدا نظريا اشتغلت عليه الحداثة الغربية في مختلف فروعها. 
أما في مجال العلم و الطب نجد أعلام خلدت أسمائها بنظريات هامة كإبن هيثم مثلا في مجال البصريات وكذلك الخوارزمي مكتشف الصفر في الرياضيات، و  أبو بكر الرازي في مجال الطب الذي حا ز على  لقب جالينوس العرب بالإضافة إلى نزعته العقلانية الفذة في الفلسفة إلى جانب مساهمته العظيمة في الطب.
كل هذه المؤشرات التاريخية تنفي النظرة الاستشراقية التي تنتصر لرؤية إيديولوجية غير بريئة  للتاريخ  سمتها الأساسية هي تسويغ المركزية التاريخية  الأوروبية.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires: