زكرياء الزاير يكتب: شغف السؤال وشغبه في ديوان " ميمكنشْ نكونْ أنا " للزجال المغربي ميمون الغازي



"... بيد أنَّ/ الجرح في الوقت المناسب يوجع/ العدم المريض، ويرفع الموت المؤقت / فكرة ..." 1
إنّه ميمون الغازي هذا الشاعر الذي يمتطي  مجازه نحو الحلم المتشظّي بداخله، هذا الشاعر الذي يصرخ من داخل نصه، ويتجاوز حدود المنطق باستعاراته التي يفتحها على الذات والوجود. فيشكِّل من داخل نصوصه فوضى ينظِّم بها عالمه، ويستجدي بها الحقيقة عن طريق البحث المتواصل داخل اللغة التي تستكنه بالمعنى الخالص (معناه هو فقط)، فهو بذلك يقلِّبها ( اللغة) ويشاغبها، فيفرغها ويعيد ملأها من جديد، بذاته المحطَّمة والمفتوحة على الغريب والمدهش والمنفلت .. ذات متحررة من جبروت السماء والمقدَّس، ذات تسعى لتحطيم  قيود الواقع المفروض عنْوة على الشعر في كونيَّته . يصنع من داخل نصوصه شخصية تتمرَّد على الكاتب، إذ تنفلت من حدود الحكاية فتصنع قدرها بيدها، قدرها الذي يدفعها إلى حدود اللاَّممكن ليصير ممكنا عن طريق الحكي، ليصير ممكنا عن طريق الحفر عميقا في تاريخ السّؤال. فكأنّنا نرى ميمون الغازي يتحوّل إلى " ألبرتو كونوكس" الذي استطاع الهروب من عالم" المايجر "(شخصية في رواية عالم صوفي )، هكذا بضربة شعر.
من أنا ؟ ومن أين أتيت؟
الإنسان قُذف به في هذا العالم مكرها - ربّما-   يرى ويحسُّ ويتكلّم. فيبدو  مليئا بالشّك والخطو( قدره أن يخطو ).
 يسابق الزمن المسرع إذ يركض، فيركض نحوه، كي يمسك بالحياة . إلى أنْ يتوقّف فجأة ركضُه/ حلمُه الذي يدفعه إلى أفق جديد يجهله . وفي لحظة الرَّكض/ الحلم هاته ثمّة الكثير من المعاناة، والكثير من القّلق، والكثير من التّمرد، والكثير من الأسئلة، فالكثير من اللّغة، هاته الأداة المركبّة داخل كيان الإنسان، والتي تأخذ أشكالا عديدة، إذ تتجسَّد عبر محكيِّه وانشغالاته وهمومه، فتأخذه إلى أبعاد جديدة غير مستكشفة، وغير ناضجة (هذا قدره ) ،فبتعبير فتجنشتين " لا يمكننا أن ندرك شيئا أو نفهمه أو نتصوّره إلا في قالب لغوي، بل إنّ استخدام اللّغة بالطريقة التي نشأنا على استخدامها هي التي تحدد الإطار الذي يمكننا بفضله أن نعرف أنفسنا ونرى الأشياء ونفكّر بها "2.." يدل عليّ الدال يدميني/ يصيدني الصاد صوت/ مكبوت ف حلقي/ مطلوق ف جناح الحلمة[...] يجرجرني ب خيالي[...] يعلمني.. نجوع.. نكره.. نحسد.. نبغض/ نغدر.. نكذب.. ننهب.. نسلب.. نصلب.. نضرب" ص21" يضّوي الضاد ظلام اللغة" ص 20 .. هي دائما اللّغة مصدر  وحي الشاعر ، إذ يشاغب العالم من خلالها، ويسقط ذاته عليها كي يفكر بها ومن خلالها عبر القصيدة : " قصيدة ب وجهين/ وجه للفرح/ والثاني لوجع بنين" ص32 ..إنّه هاجس التفكير الذي يدفع بالإنسان إلى متاهات المعنى ليقبض عليه، لا لشيء إلا لتستمر دورة الحياة، إلا لكي يحاول الخروج من كهفه ومن عذاباته، كهف القِّيم التي صنعها بنفسه، وربما صدّقها وآمن بها. فهو يدرك – ربما – في لحظة ما أنّه قادر على تشكيلها وإعادة صياغتها بكلِّ بساطة عن طريق القلب أولا ( المعرفة القلبية ) ثم الكلمة ثانيا : " هذا القلب/ عطشان للكلمة" ص16" غرس ف الجسد/ فراشة " ص45" تبلغ النيرفانا/ يحرر الجسد/ وتقدر بعدها تطير" ص49 .. فليس هذا العطش نحو الكلمة، سوى عطش للمعرفة، وعطش للفهم، وعطش للمعنى، وعطش للروح : " آش تكون الروح/ من غير دخان/ طالع من البحر " ص40 "الروح معنى/ الروح عجب/ الروح استفهام ؟" ص41  " جايبة مفتاح من دار الغيب/[...] راضعة لحليب/ من ملح الدم" ص35..هذه الروح هي التي تفتح لدى الشاعر مساحات كبيرة للتأويل، لمحاولة الإدراك، إدراك المجهول والتحايل عليه. وهو بذلك يصنع تجليَّه وعالمه البعيد جدا. وبذلك " نصل إلى مظهر واضح تتجلى فيه الفردية الفنية بشكل بارز، ويصبح من الضروري البحث عن بقية معالمها في خواص اللغة الشعرية ذاتها، وقدرتها على إثارة الاستجابات الجمالية في ظروف ثقافية خاصة." 3
إنها ظرفية الشاعر  ميمون الغازي بكلُّ بساطة ، إذ يسير هكذا كما تشاء له الطبيعة فينهمر كالماء بين الصخور التي سوف تصبح مسقولة رغم قساوتها، بفعل الأمواج التي تتلاطم بداخله، هو الشاعر الذي يتفاعل وينفعل : "كيف خيوط شتاء/ ل مربطه وجه الارض/ دافي عل شبيه الماء/ المتجلي ف ريح/ السراب/ كافي عل قمحة/ حاملة سبوله ف كرش/ التراب/ كثيف على شوفه/ غارقه ف جوف/ الضباب"ص 69.." بعد التّلفة/ من حر اللهفة/ المدفّقة فيّا فيك/ قاومنا الموج ب جوج" ص18.. هكذا هو حال الشاعر دائما يُخرج من الحجر حصانا ويمتطي به صهوة الريح مجنّحا بالخيال متحدِّيا للموت : " حبال لوْلاده تدلّى ف عنق الريح/ خبرتني لمرايه/ لقصيدة حبلى[...]/ تفتح باب لقدر/ ومن رحم الظلمة/ جاتني الحياة كيف ولدتها الموت" ص 15" من دك لعمر/ لمقلق من سعد الموت" ص 122 ..حبال الواقع كثيرة تحيط به من كلِّ صوب، وليس له غير هذا النبض الذي يرفعه كلّما آنس جسدُه التراب : " كان قلبي لحزين بين يد حداد/ كبدتي لحنينة ف منقار نسر/ كان جسدي حفنة من تراب" ص 16..إنّه يصنع المتاهات ويسير فيها بمحض إرادته، شغوف بصنع الأشكال/ الكلمات التي يبني بها فضاءاته ويخطُّ بها زمنه/ تاريخه وملمحه " فنحن نسمع الكلمات مثلما نسمع صوت الرعد. لكنّ الكلمات، بعكس تلك المظاهر الأخرى، لها طبيعة مزدوجة. فهي تحيلنا على ما هو كائن وراءها"4:  "شفت راس ثاني/ فوق راسي" ص16 .. وراء الكلمات ثمة عزف جميل، ثمة الكثير من الفراغات، ثمة الكثير العدم : " هذ اللّي يتسمى عمر [...] ما بعد الموت/  العدم " ص34 .. هذا العدم  الذي أسقط فكرة أنّ الطبيعة لا تقبل الفراغ، إنّها -حسب الشاعر- مليئة بالفراغات الكثيرة التي يحاول ملأها بالكلمة. فيحاول ويحاول..
هوامش :
1-      جدارية محمود درويش
2-      في فلسفة اللغة د. محمود فهي زيدان  . دار النهضة العربية 1985ص 60،
3-      أساليب الشعرية المعاصرة صلاح فضل دار الاداب بيروت ط: الاولي 1995 ص 32
4-      نفسه ص 16

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق