موسى الرمو يكتب: دبس بندورة



كنت جندياً فاشلاً وكانوا دائما ينعتونني بالفاشل، كان الضابط يناديني يا جندي يا فاشل، كذلك الجنود يتهامسون فيما بينهم أنني جندي فاشل، لدرجة أنني تمت معاقبتي عدة مرات ﻷنني جنديٌّ فاشلٌ، وقتها لم يكن هناك معركة حتى أستشهد ﻷثبت بأنني لست فاشلاَ، فالجندي لا يملك إلا الروح وهي الوحيدة التي يمكن أن يفدي بها.
كانت لغة الخدمة وقتها هي (التفييش) أي أنك تدفع للضابط رشوة مقابل أجازة شيئ يشبه (التعفيش) بوقتنا الحالي ولكن بأسلوب يناسب تلك الفترة الزمنية وظروفها.. وقررت ألا أكون جنديا فاشلا وأن أفعل مثل كل الناجحين، فقد تعبت من ثقل رأسي وأنا مطأطئه، وأريد أن أرفع رأسي وأرتاح فقد أتعبتني هذه الصفة، صفة الجندي الفاشل.. 
عندما عدت من إجازتي أحضرت معي للضابط من بيتنا (دبس بندورة) كانت أمي قد صنعتها مونة للبيت لم يكن في بيتنا وقتها إلا دبس البندورة قالت أمي يمكنها أن تستغني عن نصفه ﻷهديه للضابط.. وبررت في نفسي أن أوحي للضابط أن مدينتي تشتهر بصناعة دبس البندورة بحكم أننا مدينة زراعية، ﻷبرر لماذا لم أحضر شيئا أغلى وأثمن.. 
فتح الضابط الكيس ونظر في داخله وتحسسه بأصابعه وسألني عن هذا الشيئ وأخبرته بأنه (دبس بندورة ) وتابعت أشرح له أهمية دبس البندورة وكيف أننا نشتهر بها وأنني لولا حبي له لما أحضرت له هذه الهدية وأن كل من يزور مدينتي يهدونه دبس بندوه ﻷننا نشتهر بصناعته طبعا هذا الكلام غير صحيح وأن مدينتي مثلها مثل أغلب المدن السورية تصنع هذه المادة وأنني كنت أبالغ ﻷن ليس باليد حيلة، 
كان ينظر ألي وهو مندهش من كلامي وغير مقتع بكل ما قلته له، وفجأة.. ضحك ضحكة هستيرية  ورفع سماعة الهاتف واتصل بزميله الضابط وأخبره بأن الجندي الفاشل أحضر لي هدية (دبس بندورة) واستمر بالضحك مع زميله وأنا أقف أمامه خجلا من قيمة هديتي، وقد زدت الطينة بلة. 
توقف الضابط عن الضحك وقال (لك حدا بيجيب هدية لمعلمو دبس بندورة) وتابع الضحك ثم قال (لك يا أبني نحنا موجود عنا بالمستودع باﻷطنان ) لدرجة أننا نبيع منه للتجار لو أردت منه لأعطيتك وأنت تحضر لي هدية ( دبس بندورة ) وأكمل ضحكته حتى أنه لم يستطع متابعة الحديث وأشار لي بيده أن أخرج وهو يضحك،
خرجت وترافقت أنا والحاجب في الممر وقال لي الحاجب ( لك الله يسامحك حدا بيجيب هدية دبس بندورة أي ماحدا عملها ليكني أنا ما بجيب إلا أحسن أنواع الحلويات بالسمن الحيواني والسمك.. مرة جبت لمرتو سوارة دهب وانت جايبلو دبس ) وسكت وسرنا كلا لعمله، وخلال دقائق طاف الخبر بكل الوحدة، وكل ما شاهدني ضابط أو صف أو مجند قال (صح جايب للمعلم دبس بندورة هدية) وشعرت أن رأسي زادني ثقلا وتعبا من كثرة ما تدلى وزدت الجندي الفاشل فشلا، ماذا سأقول ﻷبناء قبيلتي و أهل الحي ماذا سأخبر أولادي في المستقبل حين أتزوج لماذا كنت فاشلا ولماذا لم أرفع رأس الوطن والضابط وأرفع رأسي ورأس القبيلة وأجعل أهل حارتي يفتخرون بي ويعرفون أن ابنهم قام بعمل ٍمشرفٍ..
قلت في نفسي علي أن أتصرف مثل كل زملائي يجب أن أقوم بعمل يرفع لي هذا الرأس وأزيل عني هذا العار صفة الجندي الفاشل.
كانت في خيمتي سلحفاة صغيرة أهتم بها وأرعاها وكنت أبحث لها عن ذكر يؤنسها ويملأ لها وحدتها فالبلابل والحمامتين اللتين في خيمتي لا تهتم بالسلحفاة ولا يوجد بينها انسجام سيما أن البلابل في قفص والحمام في صندوق وتحتها بيضيتين وعلى وشك أن يفرخا حمامتين صغيرتين. 
السلحفاة أصلا هي بعيدة عنهم تسرح في الخيمة كأنها تبحث عن ضالة، ليلة كاملة وأنا أتقلب في سريري أفكر بأن لا أقع بمطب آخر وأزيد الفشل فشلا أفكر لو أهديت الضابط البلابل أو الحمامتين أو أرسم له لوحة أو أصنع له تمثالا هل هذا سيجعله يرضى عني أم أنه سوف يضحك علي مثل المرة الماضية ليلتها لما أنام وبقيت نهاري كله أراقب الجنود كيف يقدمون الهدايا ويكسبون رضا الضابط ويحزمون حقائبهم ويذهبون في إجازاتهم وهم فخورون ومرفوعو الرأس و ليسوا فاشلين. في المساء حملت صندوق الخشب الذي به بيضتين وتقعد عليها حمامتين بيضاوين جميلتين بياضهما كقطعتي ثلج تستحقان أن تطلقها امام السيدة فيروز أو الام تيريزا لو زارتا بلادي، ذهبت الى بيت الضابط القريب من وحدتنا وبيدي صندوق الخشب وبه الحمامتان وعيناي تدمع على فراقهما أغمضت عيني وأعطيت الحمامتين وتحتهما البيضتين مع صندوقهما لابن الضابط وأخبرته ما عليه فعله وكيف يرعاهما ويهتم بهما وأنهما جدا رقيقات ويحتجن رعاية خاصة حتى يفقص البيض وتخرج فراخ الحمام وعلمته كيف يرعاهن ويهتم بهن وهو يهز برأسه.. 
عدت الى خيمتي أنتظر الصباح، حزمت حقيبتي ورتبت سريري انتظر الضابط خلال اجتماعنا الصباحي أن يشيد بموقفي وأن يمدحني أمام زملائي وأن يقول عني لست جندياً فاشلاَ، وربما نفحني إجازة طويلة مثل كل الجنود الصالحين.. فأنا لم أعد جندي فاشلا بعد اﻵن وأصبحت صالحا مثل كل الجنود، وقفنا في الاجتماع قال الضابط وهو مبتسم وينظر ألي ويتحسس كرشه سأعطيك إجازة عن كل حمامتين بيضاوين كاللتين كانتا في خيمتك، فلحمها لذيذ جدا يا موسى. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق