فاطمة الزهراء ملال تكتب: ثقافة الشباب


يحتل الشباب مكانة هامة -وذلك راجع للمرتبة التي يتبوؤها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وعند علماء النفس والاجتماع والسياسيين- نظرا لما يمثلونه من طاقة وحركية وفعالية، ورأسمال بشري ثابت، وفي ذات الوقت  فإنهم يمثلون تحديا حقيقيا لجميع الأمم، بسبب تطلعاتهم الجامحة وأمالهم العريضة وميلهم نحو كل ما هو جديد، وتمردهم من الوضع القائم والتقاليد والعادات. فالشباب يخلق عالما خاصا بهم مستقل عن عالم الكبار وغير خاضع لمعاييرهم ومعتقداتهم وسلوكاتهم، هذا العالم الذي يضم أفكارا وأساليبا للسلوك وقيما بعيدة عن مجتمعهم، هي في الغالب قيم مستوحاة من الثقافة الغربية التي تحاول سيادة أنموذجها الثقافي على مختلف المجتمعات. فالشباب أكثر إقبالا من غيرهم على استيعاب وتبني الثقافة الغربية، من خلال الإعلام الذي يسعى لغرس مجموعة من الأفكار والقناعات في ذهن المتلقي الذي يصبح مستهلكا سلبيا للمادة الإعلامية.
أكد تالكوت بارسنوز(Talcott Parsons) على أهمية ثقافة الشباب باعتبارها ظاهرة اجتماعية من ناحية وكمرحلة في التنشئة الاجتماعية من ناحية أخرى، وتمثل رد فعل على ضغوط الحياة الاجتماعية. ويعرفها بقوله أنها ثقافة مضادة ومتناقضة مع ثقافات الكهول، ويقوم على فصل عميق بين أدوار الذكور وأدوار الإناث، فهي ثقافة مراهقة تعرف على أنها ثقافة لا مسؤولة، تتميز بالإقبال على ملذات الحياة. 
وهناك من يستعمل مصطلح حضارة الشباب للدلالة على ثقافة الشباب وهو شأن "عزت حجازي" الذي يقدم التعريف التالي: يلوذ جيل الشباب بعالم خاص أو حضارة خاصة هي حضارة الشباب youth culture يخلقونها بأنفسهم، وفقا لمعاييرهم من أجل أن يخفف همومهم ويقربهم من تحقيق تطلعاتهم وطموحاتهم وتطبيق مشروعاتهم في الحياة. وعالم الشباب الخاص هو أسلوب حياة مستقل-جزئيا بالطبع- عن عالم الكبار، سواء تم في معيتهم أو بعيدا عنهم، وغير خاضع لمعايير الكبار وقيمهم ومعتقداتهم وأساليب سلوكهم، وإنما يقوم على نسق من القيم والمعايير والأفكار وأساليب السلوك المعارضة-أو على الأقل غير الملتزمة- بتلك التي ينادونها. 
تقوم نظرية الثقافة الفرعية الشبابية عموما على اعتبارها ثقافة تتبلور وتتمحور ككل جمعي أو ككل متجدد للمشكلات الناجمة عن الطموحات المحبطة لقطاعات كبيرة من الأفراد أو لوضعهم الاجتماعي الملتبس في المجتمع الكبير...،هكذا تكون الثقافات الفرعية كيانات متميزة عن الثقافة الأكبر ولكنها تستعير رموزها وقيمها ومعتقداتها وكثيرا ما تعرضها للتشويه أو المبالغة أو تقلبها رأسا على عقب.  
هناك من يؤرخ لظهور ثقافة الشباب بظهور أول ألبوم لموسيقى الروك في عام 1954 يحمل عنوان Rok arond the clock  ل"بيلهالي" Bilhaley الذي دفع بالكثير من الشباب إلى الرقص والاهتمام بالموسيقى وأنتج نوعا من الموسيقى الشعبية Rock and Roll مستوحى من الإيقاع الزنجي.
يمكن القول إن ثقافة الشباب تتجلى من خلال النماذج الثقافية التالية:
الثقافة الشبابية العالمية ذات التأثير المتسع عبر الحدود، وهي ما تعرف بثقافة "الهيب_الهوب" و"الوسم" و"الراب"، وكذلك موجة التيارات الدينية السلفية، والتي طفت وبقوة  خاصة بعد ثورات الربيع العربي، والنفاذ إلى ما يعرف"بالمجتمع التحتي" والغوص في قاعة الثقافة الشبابية التي نشاهد تجلياتها. 
حرص معظم الشباب على تأكيد تميزهم وإبراز هويتهم من خلال رموز خاصة منها: أساليب اللباس، إطلاق شعر الرأس والذقن، وإزالة عدد من الفوارق التي تميز بين الجنسين الذكور والإناث،  إضافة إلى الأزياء والمظهر والسلوك التي هي تعبيرات عن قيم جديدة ومختلفة عن قيم الكبار في النظافة والجمال والتصرف المهذب. و من ناحية أخرى هناك موسيقى الشباب وفنونهم التي في مجملها تثور على القوالب التي تتشكل فيها فنونهم، فالموسيقى والرقص كلها صاخبة سريعة الإيقاع إلى درجة الجنون.
يؤكد مركز أصداء  – في هذا الصدد -في دراساته المسحية لعامي 2008 و2014 أن الشباب العربي لديه طقوس استهلاكية وعادات حياتية شبيهة بالشباب الغربي ويستعملون تكنولوجيا مشابهة لأقرانهم في الغرب. ولعل هذه السمات المشتركة( اللغة والملابس والتكنولوجيا وعادات الحياة الغربية) هي ما يوحد جماعات البشر العربي ويربط بينها، ويجعل الهوة تتسع بينهم وبين الآباء.
يتبين إذاً، أن ثقافة الشباب هي ثقافة فرعية تتميز بقيمها الجديدة وأفكارها وأساليبها في العيش التي تختلف عن ثقافة الكبار. وهي جاءت كرد فعل على المشاكل التي يتعرض لها الشباب وعن ضغوطات المجتمع والأسرة، إذ يريد الشباب أن يبرزوا مكانتهم وشخصيتهم التي تختلف عن الآخرين من خلال مختلف العناصر سواء من حيث اللباس أو المظهر أو السلوك أو نوع الموسيقى...ويشكل الإعلام دعامة رئيسة لنشر ثقافة الشباب وخاصة الثقافة الشبابية المرتبطة بالدول المتقدمة.
لائحة المراجع:
1. عزت حجازي:(1985) الشباب العربي ومشكلاته، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، العدد 6، الطبعة الأولى.
2. المنجي الزيدي: (2006)، ثقافة الشباب في مجتمع الإعلام، مجلة عالم الفكر، العدد1 المجلد 33.
3. يسرى بن الهذيلي(2013)، الشباب العربي والثقافة المزدوجة،  مراوحة بين الوافد والمحلي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
4. تقرير المعرفة العربي حول الشباب وتوطين المعرفة، (2014)، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، دار الغرير للطباعة والنشر، دبي.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق