محمد علي عبد العزيز يكتب: عالم لا يدري ويدري أنه لا يدري



ان العلم واحدا من تلك الأشياء التي قال عنها القديس أوغسطيـن "نعرفها طالما أن أحدا لا يسألنا عنها ، ولكن عندما نسأل عنها فاننا لا نجد ما نقوله !! وبالفعل ما هو العلم ؟؟ قد نجيب علي السؤال ببساطه بالقول بأنه "نشاط منهجي منظـم يهدف للوصول الي الحقيقة الموضوعية" الا أن هذا التعريف يضع العلم في سلة واحدة مع أنشطة بشرية أخري تدعي هي أيضـا أنها تصل للحقيقة الموضوعية بطريقة منهـجية كالدين و الفلسفة و حتي الأيدلوجيات السياسية كالقومية و الماركسية ، فعلي أي أساس يستحق العلم هذه المكانة الرفيعة في "طريق الحقيقة " و التي يمنحها له بفخر المجتمع المعاصر !؟ تعرف هذه القضية بمشكلة التمييز ، و هي تعد أحد أكثر المشكلات عمقا و أهمية في الفرع المعروف بفلسفة العلم...
-في الحقيقة فاننا نادرا ما نعاني من مشكلة التمييز هذه في حياتنا اليومية ، فالعلماء يختلفون عن الفلاسفة و رجال الدين في العديد من الأشياء الصغيرة و المسلية ، فـ هم يرتدون معاطف بيضاء أنيقة ، ويعملون في معامل تحوي الكثير من الأجهزة الباهظة التكلفة ، وينفقون وقتهم في اجراء حسابات رياضية معقدة بشكل لا يصدق ، الا أن هذا المعيار ، بطبيعة الحال ، لا يجدي نفعا في "خطوط النار" الحقيقية ، أي الأراضي الحدودية التي يتنازعـها العلم مع جيرانه الأقل نفوذا ..
 -فالمؤرخون مثلا نادرا ما يستـخدمون معدات تقنية خاصة بهم ، و هم لا يحتاجون رياضيات متقدمة " ولا معاطف بيضاء " من أجل القيام بعملهم ، فهل التاريخ علم ؟؟
-ومنذ أن اتقدت نيران العلم الحديث لأول مرة في القرن السادس عشر ثار الجدل ، و لا يزال حول ما يتميز به العلم عن غيره من المحاولات البشرية الرامية للبحث عن الحقيقة ، و في محاولة للإجابة علي هذا السؤال قام الفيلسوف و الانجليزي" فرانسيس بيكون " بتقديم أول نظرية ناضجة في فلسفة العلم ،
١١-نادا بيكون بأن ما يميز العالم عن الفيلسوف و اللاهوتي هو أن الأول يكتفي بدور المراقب الأميـن المخلص للطبيعة ، بينما يسارع الأخران بتهور الي استباقها و فرص تحيزاتهما المسبقة عليها .
٢- أمن بيكون بأن الملاحظة الدقيقة و الذهن الخاوي هما الوصفة السحرية من أجل الوصول للحقيقة .
٣٣-وادعي بأن حواسنا لا يمكن أن تخدعنا ... و لكن عقلنا المراوغ الشغوف بالأوهام ... المهووس باستباق الطبيعة . انما هو مصدر كل خطأ في العلم ،و اعتقد بأننا اذا أفلحنا في جعل عقلنا صفحة بيضاء خاليا من كل تحيز فاننا سوف نصل للحقيقة ، و سوف تكون يقينية و مطلقة كما نشتهيها !
-وهذه النظرة الي العلم تعرف عموما بالتجريبية و بصورة أدق بالأستقرائية و قد سادت فلسفة العلم بلا منازع لأكثر من ثلاثة قرون و حتي في ذروة مجدها في القرنين السابع عشر و الثامن عشر ... أخذ عدد متزايد من عظام المفكرين في الشك بأن هناك شيئا خاطئـا في مكان ما من الأستقرائية ، ألمعهم علي الاطلاق " ديفيد هيوم و ايمانويل كانت "و علي الرغم من الانتقادات الهامة التي وجها هذان و أخرون ، الا أن تطوير فلسفة علم غير استقرائية قد انتظر حتي القرن العشرين ، و تم انجاز المهمة بنجاح علي يد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر "محطم الأستقراء" الشهير
-ووفقا لهذا المنظور الثوري الجديد فأن العالم ، مثله مثل الفيلسوف و اللاهوتي بالضبط ، يقوم باستباق الطبيعة عبر ابتداع فروض متهورة جريئة ، فروض يتم التوصل اليها عبر التخمين الجامح و تحرير المخيلة الي أقصي حدودها ، و هذه الفروض لم تأت من ملاحظة الطبيعة ، كما لا يمكن اثباتها يقينيا بأي قدر من الملاحظات ، و تشدد هذه النظرية علي أن الدور الحقيقي للملاحظات ليس "خلق الفروض" فالفروض هي نتاج ابداعـي خالص لعقل العالم يكون سابقا علي أي ملاحظة ، وبالمثل فان دور الملاحظات ليس "اثبات" النظرية ، لأنه ليس بوسع ملاحظة ، و لا أي قدر من الملاحظات ، أن "تثبت" أي نظرية عن العالم ، و بدلا عن ذلك فان دور الملاحظات الحقيقي هو في الاختبار النقدي لتخميناتنا الجريئة ، أي تكذيب الفروض ، و بعبارة أخري فان الملاحظة لا تستطيع اخبارنا اننا علي صواب و لكنها تستطيع اخبارنا أننا علي خطأ!!! و العلم يتقدم و فقاً لهذه النظرية ، عبر التخلص المنهجي من أخطائنا و ليس عبر مراكمة الحقائق فوق بعضها ، و تعرف هذه النظرية باسم القابلية للتكذيب falcifiability و هي جزء من مذهب أعم هو العقـلانية النقدية critical rationalism
-و السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو تأثير هاتين النظرتين المتباينتين علي قضية التمييز بين العلم وااللاعلم !!
-و اذا قبلنا بالنظرة الاستقرائية للعلم ، و اذا أمنا بالملاحظة كطريق ملكي نحو المعرفة اليقينية ، فاننا عندها سوف نصطدم بطريق مسدود في مشكلة التمييز ، فالعلم سوف يصبح عندها نشاطا لا يختلف منطقيا عن الدين ! فكلاهما ينطلق من مسلمات محدده ينظر اليها علي أنها صحيحة بديهيا " النص المقدس في حالة الدين و الملاحظة في حالة العلم "و كلاهما يرفض أي تشكيك نقدي في مسلماته "فالنص المقدس و الملاحظة الحسية ينظر اليهما علي أنهما معصومان من الخطأ " و كلاهما يستحيل عليه منطقيا الدفاع عن أسسه بغير الوقوع في مغالطة التفسير الدائري "استخدام مقولات النص المقدس ذاتها لاثبات قدسيته ، اللجوء للملاحظات الحـسية لاثبات أن الملاحظات الحسية مصدر موثوق للمعـرفة ..
-ومن المثير أن" بيكون " نفسه ، مؤسس المذهب الأستقرائي كان ينظر للعلم نظرة دينية خالصة ، حيث أمن بأن العلماء هم أنبياء العصر الجديد ، الكهنة حاملي مشعل الحقيقة المقدسة ، نادي بيكون بأن "العلم قوة" و بأن الايمان بالطبيعة و بمنهجه الأستـقرائي هو الثمن الذي ينبغي علينا دفعه ان أردنا تسخير هذه القوة الهائلة الموعودة ، و عندها سنبني الجنة علي الأرض ، و في عمله الكلاسيكي " اطلانطيس الجديدة " حلم بيكون بدولة سلـطوية ديكتاتورية مزدهرة اقتصاديا و تكنولوجيا ، تحكمها طبقة من العلماء الذين هم كهنة في نفس الوقت و من المفترض أن هذه يوتوبيا مثـالية ينبغي علينا جميعا أن نحلم بها 😋😊😇
- وعلي النقيض من ذلك تماما تقبع رؤية المذهب العقلاني النقدي ، ففي حين ان الدين يبرر لمعتنقه اعتقاده في بعض الحقائق المطلقة ، فان كل ملاحظات الكون لا يمكنها تبرير الاعتقاد في حقيقة واحدة مؤكدة يقينا و مهما بذل العالم من مجهود مضن و مهما أنفق من وقت في التجارب المحكمة و الحسابات البارعة . فان كل ما سيستطيع البرهنة عليه -ان كان محظوظاً- هو أن أحد منافسيه كان مخطئا ، و ان لم يكن محظوظاً فانه سيبرهن علي أنه هو نفسه المخطئ ، و حتي ان كان ذلك العالم قد توصل بمزيج رائع من الصدفة و العبقرية الي الحقيقة المطلقة فعلا في مشكلة معينة ، فانه هو ذاته لن يعرف ذلك أبدا ، لا ولن يعرف ذلك أي أحد أخر لا الأن و لا في أي جيل أخر حتي نهاية الزمان ، فالمنهج العلمي ، بكل بساطه ، لا يسمح لنا بمعرفة ما اذا كنا علي صواب . و لكنه يسمح لنا بمعرفة ما اذا كنا علي خطـأ... انه مذياع مصمم لاعلان الأخبار السيئة فقط لا غير !
-ذلك هو الفارق العظيم بين العالم و رجل الدين ، التواضع الفكري ، فالأخير فخور راض بما لديه ، رجل لا يعرف الشك ، يعتقد بأنه يعرف علي يقين كل ما يستحق المعرفة و أن الأشياء القليلة التي لا يعرفها عن الكون هي تفاهات لا تستحق المعرفة علي أية حال . أما الأول فهو منغمس في التعاليم السقـراطـية العريقة : ان الحكمة الحقيقية هي في الاعتراف بجهلنا العميق . ان يدرك جيدا أنه قد يكون مخطئا في كل ما يعتقده ، انه رجل يعرف حدوده ، انه يبذل قصاري جهده لكي يتخلص من أخطاءه عبر الفحص النقدي المؤلم ، انه يفني عمره راضيا سعيا وراء الاقتراب منها ... تلك البعيدة ... المتعالية ... المستحيلة ... مكانها في النجوم ... و جمالها لا حد له ... انها الحقيقة .. و هو عاشقها المعذب و حارسها الأمين و مطاردها الملهوف الذي لا ييأس أبدا.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق