رشيد السليم يكتب: من يكون


...طريق السلامة 
كان آخر كلام قلته قبل الضغط على زر في هاتفي المحمول لإنهاء المكالمة وإعادة الهاتف في جيب سترتي البالية المتهدلة، أكملت سيري باتجاه محطة سيارات الأجرة ووعثاء السفر تجبر جسدي على الترنح بين الفينة والأخرى، وحقيبة الظهر ذات الحزام الوحيد تزيد من شعوري بالتغرب والضياع في هذه المدينة، رغم أنني أمضيت فيها قرابة الست سنوات...
 عندما انعطفت يسارا من ساحة الشهيد إلى شارع علال بن عبد الله؛ أنعش وجهي المتعرق هواء بارد تحركه الريح المرسلة من البحر الأطلسي، توقفت لحلظة أمام واجهة إحدى المكتبات وأرحت كتفي من ثقل الحقيبة بإنزلها على الأرض ناظرا إلى حزامها المهترئ وزمامها المنزلق المعطل، فكرت بين شراء حقيبة جديدة وبين ولوج المكتبة، لكنني استسلمت دون أدنى مقاومة لحاجة ملحة إلى الكتب، أمسكت بعروة المحفظة ودخلت المكتبة متجها مباشرة نحو السلم المؤدي إلي الطابق العلوي، فليس في الأسفل سوى كتب الطبخ والتنمية الذاتية وقصص الأطفال، بدأت أتصفح الكتب وكانت أثمنتها كالعادة تشعرني بالندم على مواصلة مشواري العلمي، فأسب في نفسي بعض الناس سبا إباحيا لا يخطر على البال، فليس لي حيلة غير السب والشتم والدعاء عليهم، وكثيرا ما كنت أضحك من بعض الشتائم التي تنبعث من ذهني بشكل فجائي، فأشعر أني صديق نفسي أسليها حينا وأفضفض لها بألم الزمان أحيانا.
مضى الوقت سريعا بين الرفوف في تصفح العناوين وفهارس الكتب، وإعادة تقليص مصاريف اليومين القادمين، عزمت أخيرا على اقتناء كتاب لـ: جورج لايكوف ومارك جونسون بعنوان: "الاستعارات التي نحيا بها"، وفي اللحظة التي هممت فيها بالانصراف إذا بشخص يشق الرواق متقدما في اتجاهي بخطى واسعة مستعجلة ! 
لم يكن لدي أدنى شك في أن الشخص يقصدني ولعله من العاملين في المكتبة، لقد تعودت على مثل هاته المواقف... فلطالما تم إيقافي وتفتيشي من قبل الشرطة وحراس الأمن الخاص؛ في محطات القطار ومداخل المؤسسات العمومية، وأكثر من مرة في باب المعهد التابع للجامعة حيث أدرس كلما تغير الحراس، ــ بالمناسبة: أنا أشتم بعضهم الآن ــ، أفسحت له الطريق متجاهلا توقعي، لكني رأيت يدين ترتفعان كجناحين أمامي ثم تنخفضان بسرعة عندما وجهت عيني إلى عيني ذاك الرجل، فشاهدت وجها خمسينيا يتحول في زمان بلانك من حال الجدية والصرامة إلى ملامح محايدة لا تشي بأي شيء، واتسع فمه قليلا كأنه يبتسم ثم وجه إلي السؤال بصوت هادئ ومؤدب:
ــ هل تبحث هنا عن شيء باللغة العربية ؟
أدركت أنه من الذين اعتادوا على طرح الأسئلة أكثر من إلقاء التحايا، بل دون إلقائها بالمرة، وأجبته بأدب ممزوج بقليل من التساذج :
ــ نعم وقد عثرت على هذا الكتاب، شكرا.
في الحقيقة لم أضف كلمة الشكر إلا بهدف إيهامه بأنني اعتبرته أحد العاملين في المكتبة، رغم أن هيأته وهو على مقربة مني لم تكن يوحي بذلك إطلاقا، وبالتالي أكون في نظره شخصا ساذجا لا داعي لإضاعة الوقت معه، لكنه سارع في الكلام عندما لاحظ تأهبي للذهاب قائلا:
ــ أنا كذلك مهتم باللغة العربية وأريد منك بعض التوجيه لوسمحت، في أي مستوى أنت؟ ماسمك؟
وضعت المحفظة على الأرض ناظرا إليه كأني أطلب منه تحديد ما يريد، متشككا في أنه قد يكون شخصا مريضا بشيء ما، شخصا من أولئك الذين... ــ لا داعي لتضخيم مسألة أصبحت اليوم حرية، لقد تشككت في كونه أحد الشواذ ــ ، فلم أتوقع الارتباك الذي ظهر عليه فجأة كأنما علم بماذا أتهمه من خلال ملامحي، فكَرِه ذلك، أخبرته باسمي وبأني بصدد التحضير لأطروحة الدكتوراه ثم سألته :
ــ بماذا أخدمك؟
قال وهو يلملم ملامحه الأولى التي تبعثرت قبيل لحظات :
ــ في الواقع أنا جاهل باللغة العربية ولا أعرف من أين أبدأ، أحب معرفة الكثير عنها، فأنت مثلا كيف اخترتها مع العلم أنها ليست لغة...
توقف عند هذه الكلمة وبدأ يتصنع التلعثم وكأنه يفتش عن الكلمة المناسبة فاسحا لي الفرصة لكي أتدخل، فسألته :
ــ تقصد بقولك : إنها ليست لغة مطلوبة في سوق الشغل؟
أجاب على الفور : بالضبط ، وضم ذراعيه متصالبين إلي صدره، ونكس رأسه بين كتفيه كتلميذ مطيع ليستحثني على الكلام، فلم أشأ إفساد حيلته على طريقتي خشية استفزازه، فليس من السهل تقبل الهزيمة من طرف روح اعتادت على السلطة مثلما بدا لي، ولكن من السهل عليه رد الاعتبار إلى نفسه وهو في ذروة البهدلة، فبإمكانه الكشف عن هويته وقيادتي إلى أقرب مخفر شرطة بغرض التحقيق، وبإمكانه اتهامي بألف تهمة وتهمة، بل أقل ما يمكن إشفاء غليله أن يوجه إلي أسئلة بخصوص بعض الجرائم المرتكبة بغية إرهابي وإذلالي، فلابد من توخي الحذر بإطلاق اللسان، فرحت أشاطره الرأي أولا، ثم قدمت له صورة مصغرة عن وضع اللغة العربية إزاء غيرها من اللغات داخل الوطن وخارجه، مستشهدا بآراء عالم اللسانيات المغربي عبد القادر الفاسي الفهري في الموضوع، وبينما أنا مسترسل في الكلام  كانت عيناه شبه المغمضتين تتزحزحان بتعرج حاد وسريع كأنهما تقومان بمسح تفتيشي عن شيء ما بداخل رأسي، فأنا متأكد أن كل المعلومات التي سمعها مني لا قيمة لها بالنسبة إليه، وبعدما استشعر الملل وضياع الوقت، بادر إلى تغيير الموضوع بحركة من يديه وفمه مومئا بالرغبة في التدخل، فأَمَلتُ أذني نحوه مصغيا فإذا به يقدم إلي مجرد كلمات مفاتيح على شكل كلام تام، وعلى نحو غاية في الاحتراف، في الحقيقة هو أسلوب شديد التعقيد ليس من السهل امتلاكه وإتقانه ولكنه بليغ الفعالية في دفع الناس نحو البوح، وهو يُستخدم كذلك في تنشيط الذاكرة وتحفيزها على استحضار المعلومات وفق ما يسمى في علم النفس المعرفي بالإشعال الذهني.
قال بصوته الهادئ شيئا من هذا القبيل: صحيح أن العربية هي اللغة الرسمية في المغرب ولكن الأمازيغية... يعني... هي اللغة التي... في الحقيقة لأن العربية من ناحية هي...، أليس كذلك؟
قلت في نفسي : ينتظر منك ملء الفراغ بما يناسب، ولكني أعدت صياغة كلامه قائلا:
ــ هل تقصد أن اللغة الأصلية في المغرب من المفترض أن تكون الأمازيغية؟
فهزهز رأسه موافقا ومتحمسا لسماعي.
ــ ربما كانت هذه حقيقة تاريخية صحيحة، ولكن الدستور اليوم باعتباره القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لتشكيل الدولة ينص على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، ولاشك أن ذلك منبن على أسس موضوعية وديموقراطية؛ بما أن الدستور قد استمد مشروعيته وقوته عن طريق استفتاء الشعب.
أردف مباشرة بعد سكوتي:
ــ ولكن من الناحية السياسة... يعني... وضع اللغة الأمازيغة... والاستغلال... نعم هناك استغلال، من قبل البعض ما رأيك؟
أعدت صياغة عبارته مثلما سبق:
ــ هل تقصد قضية استغلال اللغة الأمازيغية لأغراض سياسية؟
أجاب وكأني أفرجت عن الكلام المعتقل في ذهنه: نعم
ــ  ربما كان هذا صحيحا، ففي السياسة يستغل كل شيء من شأنه تعزيز موقف طرف وإضعاف موقف طرف آخر.
بدا الرجل شاردا الذهن وهو ينصت إلي، فحشوت في تلك اللحظة عبارة من نوع آخر:
ــ أنت لم تخبرني من تكون.
انتبه إلى العبارة دون أن تثير فيه عنصر المفاجأة كما كنت أنتظر، وأجاب بارتياح وهدوء مع بعض التثاقل الطفيف الذي لا يكاد يلحظ:
ــ لقد كنت رجل تعليم.
وبينما أنا أنتظر سماع المزيد استدرك قائلا:
ــ ولكن تخصصي كان علميا، وأنا كذالك درست في جامعة ظهر المهراز بفاس في سنوات الثمانينيات.
ذكر اسم الجامعة مبتسما متفاخرا، جاعلا إياها قاسما مشتركا بيني وبينه، إلا أنني في الوقع لم أكن قد ذكرت له قط شيئا عن مدينة فاس ولا عن جامعة ظهر المهراز ! تجاهلت زلة لسانه تلك، فالرجل واثق من أنه مسيطر على الجو، والراجح أن إفساد نشوته بملاحظاتي لن يأتي بالخير، ولا ريب أنه يعرف عني معلومات أكثر..
كان العياء قد تمكن مني وقد خبت رغبتي في مجارات الأحداث، فبادرته مصافحا في توقيت غير متوقع قائلا: أنا جد مسرور للحديث معك، ولكني مستعجل الآن.
صافحني وهو يعتذر عن الوقت الذي أمضيته معه، ولم يبد أي رد فعل غير عادي.
ولكنني عندما كنت أدفع ثمن الكتاب في الأسفل، رأيته يسبقني نحو الخروج موجها إلي نظرات حادة تقول: سنلتقي مرة أخرى...

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق