أسامة الخراط يكتب: التخطيط الاستراتيجي والنوايا


قد يظن البعض أن علم التخطيط الاستراتيجي هو شيء من الرفاهية العلمية، وأنه ليس من المفيد أن يتعلم الإنسان العادي هذا العلم، والحقيقة بعد أن درست هذا العلم اكتشفت أن كل حياة البشر ونجاحاتهم متوقفة على فهم وتطبيق هذا العلم. 
ولكن حتى أوضح لكم المفيد في هذا العلم يجب أن تعرفوا أن أهم نقطة فيه ليس هو التقنيات والأدوات التي يشرحها هذا العلم مثل وضع: (رؤية استراتيجية، ورسالة للمؤسسة، وأهداف طويلة المدى، ثم خطة تشغيلية لعام واحد، وتوقيتات وميزانيات لكل هدف، ويظل يتفرع التخطيط حتى يصل لكل شخص في المؤسسة فيحدد له ماذا يجب أن يفعل في كل يوم من مهام، ليحقق مع كل فريقه الهدف الاستراتيجي الأصلي الذي تم اقراره في بداية المهمة).
وليس أيضا المهم في التخطيط الاستراتيجي تَعلُّم استخدام طرق تحليل البيانات مثل: (سوات SWOT Analysis، وبيستل PEST analysis، وبلنس سكوركارت Balanced Scorecards) وغيرها من الأدوات التي تساعدك على فهم واقعك الحالي، وما فيه من نقاط قوة وضعف في داخل مؤسستك وفريقك، وفرص ومخاطر خارجية تواجهك يجب أن تتعامل معها، واختبار أهدافك المستقبلية التي وضعتها وواقعية وتدرج خطتك للوصول إليها، كل هذا تساعدك عليه أدوات التحليل التي طورها علماء التخطيط. 
ولكن كل ما سبق مجرد أمور مساعدة فقط، ولكن أهم شيء في علم التخطيط الاستراتيجي هو: (التفكير الاستراتيجي)، وهو: ملكة عند الانسان تجعله يستطيع رؤية الأمور ومآلاتها، واتخاذ القرارات بعيدة المدى بناء على النوايا التي قد وضعها مسبقا، والتي تعادل مصطلح: الرؤية الاستراتيجية له. 
والتفكير الاستراتيجي هو المهارة التي تميز القادة الكبار والعظماء في كل المجالات من بداية نشوء الحضارة، مرورا برسول الله وقادته مثل أبو بكر وعمر مثلا، وحتى القادة الكبار في عصرنا الحالي، كل هؤلاء ربما لم يكونوا يعرفون أي شيء عن علم التخطيط الاستراتيجي كأدوات ومصطلحات، ولكنهم بالتأكيد ماهرون جدا في مهارة التفكير الاستراتيجي والتي كانوا على أساسها يتخذون قرارتهم، والتي غالبا لن تكون مفهومة للناس العاديين من حولهم. 
وسأضرب لكم مثالا 
من حياة سيدنا محمد، ومن حياة عمر بن الخطاب، فرسول الله عندما خرج من مكة للمدينة مهاجرا لتأسيس دولة للمسلمين، كان هدفه الاستراتيجي الذي خرج من أجله والذي أرسله الله وكلفه به، هو: (نشر الدين الإسلامي ومبادئه) لأن مكة لم تعد تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولم يجد أرضا أخرى أنسب من المدينة مع العلم أنه حاول مع الطائف ومع عشرات القبائل الأخرى. 
وبسبب وضوح هدفه الاستراتيجي كان سهلا عليه اتخاذ كل القرارات بناء على هذه الرؤية الاستراتيجية واستخدام كل الأدوات لخدمتها، فالحرب والسلم والصلح والمعاهدات التجارية والعسكرية والسياسية التي قام بها مع اليهود والقبائل العربية في يثرب، وحتى مع قريش ومع كثير من أعدائه، كانت تهدف لتهيئة الجو بأكبر قدر ممكن لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو نشر (الدين الإسلامي ومبادئه)، 
ولذلك كثير من الصحابة لم يفهم مثلا لماذا عَقد رسول الله معاهدة الصلح مع قريش مع أنه يملك قوة جبارة عسكرية متمثلة في صفوة من الصحابة كانوا مستعدين للقتال شهورا طويلة مكتفين بحبات من التمر بسبب الزخم العقائدي الكبير الذي يملكونه، لذلك استغربوا جدا واعترضوا بشدة لماذا نعقد صلحا وبشروط رأوها مجحفة، من إزالة كلمة (رسول الله) في المعاهدة، وارجاع من أسلم من مكة ومنع إقامته في المدينة بعد سريان المعاهدة. 
بينما رسول الله اتخذ قرار معاهدة الصلح بكل سهولة وثقة، لأنه يرى بوضوح تام الهدف الاستراتيجي والذي يساعد على تحقيقه بشكل أسهل وأسرع جو السلام والهدوء، لذلك نزل قوله تعالى مبشرا بنتائج هذه الخطوة، وقال: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. 
نوايانا هي ما تحدد أهدافنا الاستراتيجية، فعندما يكون هدفك الاستراتيجي هو السلام تستطيع عند ذلك تسخير أدوات القوة والقتال والسلاح والترهيب، والمفاوضات والإعلام ونشر الأفكار وغيرها، كلٌ حسب مكانه وحسب كميته المطلوبة تماما لتحقيق الهدف، ويقل جدا اتخاذ القرارات الخاطئة أو العشوائية لأن بوصلتك واضحة وهي تحكم تحركاتك كلها، وهل من هدف استراتيجي أهم من إحلال السلام والهدوء والنماء، والذي هو أهم أهداف الإسلام، وما يدعو له كل دين ومجتمع عاقل وسليم فكريا وروحيا. 
 أخيرا سأضرب لكم مثالا عن التفكير الاستراتيجي للخليفة عمر بن الخطاب، فقد بدأت الفتوحات الإسلامية ورافق هذا تغير الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير، وعمر كان هدفه الاستراتيجي هو بناء الدولة الإسلامية على أسس قوية ليجعلها منافسة للدول التي تحيط بها وتحاول الانقضاض عليها، لذلك لم يتردد لحظة في اتخاذ قرار وقف العمل بأحكام ظنها الناس ثابتة في القرآن والسنة وفعل الصحابة، وذلك لأنها عارضت الهدف الاستراتيجي الذي وضعه بالتشاور مع كبار رجال الدولة، وحدث هذا في عدة حالات ولكن أوضحها كان عندما أوقف توزيع أراضي العراق ومصر المفتوحة عنوة على الجنود الفاتحين، مع أن عددا من الصحابة المقاتلين طالبوا بذلك مستندين على آية الفيء، وعلى فعل رسول الله في خيبر، ولكن سيدنا عمر شاور سيدنا علي ومعاذ وغيرهم ووصلوا لقرار واضح، وهو أن توزيع هذه الأراضي لا يناسب الهدف الاستراتيجي لبناء دولة مستقرة اقتصاديا وقوية، والمصلحة هي ترك هذه الأراضي للناس ليعملوا بها، وتُدرُّ دخلا على كامل الدولة وليس على أفراد محدودين فيها، 
 وعللوا ذلك أن النصوص الشرعية لم تحتم فعل شيء محدد بالأراضي المفتوحة ذات الحجم الهائل، بل تركت الأمر مفتوحا للخليفة ومجلسه الاقتصادي ليطبقوا ما يرونه صحيحا ومناسبا بناء على الرؤية الاستراتيجية للدولة. 
إن  وضع نية صحيحة هو ما يقود لوضع رؤية صحيحة، وبعدها كل الأمور تصبح أسهل وأيسر على أي مؤسسة أو دولة أو حتى فرد أو مجتمع، والتخطيط الاستراتيجي هو الذي يساعد على وضع النوايا بدقة وتحويلها إلى أهداف وتحركات وقرارات تحكمها جميعا النية الأساسية، وهذا شرط أساسي حتى لا نضيع الوقت والمال والأنفس والقدرات في مشاريع ومعارك وصراعات لا تقود لتحقيق هدفنا الأصلي، كما يجري الآن في عالمنا العربي والإسلامي بشكل واضح جدا. 
 إن سبب أغلب الحروب والدماء في العالم اليوم أن هناك فرقا كبيرا بين من يقاتل ويناضل ويعمل ويخطط وهدفه الاستراتيجي هو السلام، والذي هو مبدأ دين الإسلام، دين (السلام عليكم)، وبين من يقاتل وهدفه الاستراتيجي هو الحرب والقتل والسلب والتخريب وتجارة السلاح واستعباد الناس والتحكم بهم، كما يفعل كثير من البشر اليوم من الظَلمة المسلمين ومن باقي الديانات والملل والنحل على السواء. 
 ومعرفة أن نيتك السلام وليست الحرب، ليست كلاما في الفم وشعارات تُقال لتخدع البسطاء من الناس، ولكنه قرارات وتحركات وتوجهات لا يُخطؤها العقلاء وظاهرةٌ لكل صاحب بصيرة، ولذلك معرفة نوايا أي مشروع وتحليل توجهه، هو مهارة يتمتع بها المخطط الاستراتيجي المحترف، وسينجح بها مهما حاول القائمون على المشروع الكذب والتزوير وإظهار شيء غير نواياهم الحقيقية، لأن البعرة تدل على البعير، والقرارات والوقائع تدل على النوايا والتوجهات. 
 وقس الأمر على كل منحى في حياة البشر، فما هي نواياك الاستراتيجية في العمل والأسرة والمال والعلاقات، وتأكد أنها هي ما ستصنع حياتك وقراراتك ومصيرك
سواء كنت واعيا بها أو غافل عنها. 
"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق