محمد الشغروشني يكتب: وحده الشعر لا يرضى بالغياب



وحده الشعر يمد وشائج القربى بين التاريخ والجغرافيا، من بصمات حوافر العيس على رمال نجد، إلى وقع سنابك خيل غزاة مروا بحواري أورشليم، ولم يغنموا غير الهباء .
وحده الشعر يربط الروح إلى جدع زيتونة في الجليل ترفض الرحيل عن سماء حنطتنا التي ما خمرت شرابا للغرباء . 
وحده الشعر يكابد زمن البين بين، يشرئب بين أعناق الصاعدين إلى معراج الحرية، يترجم لواعجهم ويدوزن أفراح النصر المؤقت، يسير بين الجموع نسيما يضمخ جو الوقيعة، يرش عطر الورد على هامات الثائرين .
وحده الشعر لايكلف نفسه انتظار الآتي، يلج الباحات باحثا عن مفردة شريدة أو زنبقة على صدر أنثى في أوج الخصوبة..يحرضها على البوح ضدا على الصمت، على اللاءات ضدا على النعمات، على الرفض ضدا على القبول .
وحده الشعر ـ منذ أن كان ـ تأريخ لوجدان الإنسانية،تدوين لما لم يكتبه المؤرخون عن غفلة أو إنكار،هو تحد للصمت المغلف بالتأمل أوالوجوم العاجز، هو رفض للتكلس وسيلان الساعة المائعة في الزمن الرديء .
وحده الشعر زمن آخر يتحدى كل الأزمنة، ولسان حاله يقول أنا كل الأزمنة ما مضى منها وما هو آت، أريد من زمني أن يبلغ بي ما لم يدركه من نفسه الزمن .
وحده الشعر لاينتظر، لايسترخي على على أريكة يفك مجدول الحكاية، أويدعو السارد لعشاء بالطابق السفلي كي يسلمه صك الرواية وينسحب متواريا خلف ركام اللغة وستائر الكلام..
وحده الشعر لايرضى لنفسه بديلا، يقول أنا البداية والحكاية والوجه والقناع، أنا الواحد المتعدد في دنيا الكلام، أنا الحقيقي والواقعي والخيالي والمرئي واللامرئي، فلا تلبسونني طاقية الإخفاء، أنا الغموض والوضوح في لباس واحد، أنا التباس في التباس .
وحده الشعر سلطان اللغة وتاج الكلام، يعلي للمتكلمين قصور الانزياح، يفرش لهم غرف الكناية، ويصنع لحوارييه  معاجم العود البدئي، وسلالم "النرفانا"، حيث اللغة أصفى وأشف من البلور، هنا تحيى اللغة متخففة من أثقال الماضي والتزامات الحاضر، هنا اللغة تتوجدن مع المطلق..
وحده الشعر يصاحب الطيور العائدة إلى أوكارها في المساء، بحثا عن جرعة نوم، وسويعة راحة، وتحت سدول الليل يعود ليشاركها أحلام الغد الموعود، وأفكار الرحلة المقبلة إلى الفردوس المفقود..
وحده الشعر يبكي أنين الثكالى وأوجاع البائسين، يسابق الزحافات والعلل، يكسر قيود القافية وحدود الروي، ينشد أرضا بكرا لاتشوبها استعارات المنع..
وحده الشعر حصان جامح، يثور على القيود، يرفض التنميط، يخاصم النحاة والعروضيين والفقهاء، وينطلق في أرض الله غجريا حرا، يعانق الشجر والماء والحجر، يهيم في الهواء ويشتاق للسماء . 
وحده الشعر يشرب رحيق أساطيرنا الجديدة في لمح البصر، وينشد تراتيل أبطالنا القادمين من سديم الهواء الآتي، ماسحا بيده الحنون على رؤوس الذين بلعوا نصف الحكاية، وخبأوا قمر الشعراء في مناديلهم..
وحده الشعر يعيد مزج ألوان الحياة في مزهرية الحضور، يعيد ترتيب صورنا المتشظية في مرايا حروبنا، ويدخلها إطار الكينونة بمرح طفولي ونسغ من أمل..
وحده الشعر يرفع مجازات طموحنا اللامنتظر من غيب البشر، حيث يلامس السر فينا ويكشف مستور القدر.. 
هو ذاك الشعر من بدء الخليقة لايرضى بمقعد الغياب. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق