يوسف اتباتو يكتب: ماري والبصلة


'' أحداث هذه القصة خيالية لا تمُتُّ إلى الواقع بِصِلَة '' ،
أبعد مصطفى أصابعه عن لوحة المفاتيح و ابتسم كعادته كلما كتب هذه الجملة. من هنا بالضبط تَولَّد شغفه بالقراءة و بعدها إلى الكتابة. كان كل همه و هو صغير أن يعرف العلاقة بين قصص بسيطة و '' البصل '' ، ذلك أنه كان يقرأ '' لا تَمُتْ إلى الواقع بَصَلَة '' ، و كان يتساءل كيف تموت البصلة  . و تزداد حيرته و هو يُتِمّ باقي الجملة '' و أي تشابه بينها و بين الواقع هو من قَبْلِ الصَّدفَة ‘‘. يقرأ القصة فلا يجد بصلاً و لا صَدَفَةً، و يمنعه الخجل أن يسأل أحداً من الكبار … الآن، بات مصطفى مغرماً بالقراءة، ومن حين لآخر ينشر بعض القصص القصيرة المستمدة جلها من أحداث واقعية، على أن يستهلها دائما بالجملة إياها.
أحس مصطفى بنوع من الراحة الممزوجة باسترخاء تام ، و شتَّان بين مصطفى الذي تراه الآن و الذى كانَهُ في الصباح.

نسي مصطفى أن ماري كانت تنتظره بباب مركز تحاقن الدم التابع لجامعة مونتريال. وفية لطَبْعها المرِح، أرجعته تلك الكنَديَّة الجميلة إلى زمكانيته :
- هل اكتشفوا أنك مصاب بالسيدا ؟
ابتسم بِتصَنّع و أجابها '' ليس بعد ''.
و حين يمشي مصطفى بجانب ماري دون أن يتكلم فالأكيد أن ما يشغله أمر جلل . فهو يعشقها بجنون، بساطتها، ضحكاتها،  إصرارها على مساعدته، طريقتها اللذيذة في النطق ببعض الكلمات العربية كل ذلك و غيره يجعله يقول عنها أنها ملاك... و عندما تحلو له الدندنة بأغاني مارسيل خليفة ، تجده يبدل كلمة '' رِتاّ '' فيغني : إسم ماري كان عيداً في فمي ، جسم ماري كان عرساً في دمي... و المدينة كنست كل المغنين ... و ماري ''...
و لولا إلحاح تلك المجنونة الرائعة ما كان مصطفى ليأتي إلى هذا المركز اللعين. فهو لا يعرف أين يوجد مركز تحاقن الدم في مدينته الأصلية و لم يسبق له ولا لأي فرد من عائلته أنْ مارس ذلك السلوك '' البرجوازي'' المسمى ب '' التبرع بالدم ''.
-هل أنت من مواليد كندا؟
-ويحك ، هل هذه سُحْنة واحد من مواليد كندا ، قالها مصطفى في نفسه، ثم أجاب الممرض ،  لا ، من موروستان .
من أي مدينة بالضبط .
- كريخبة .
تفحص الممرض إحدى اللَّوائح على مكتبه،  ثم قال وكأنه إنسان آلي و دون أن تشي ملامحه بأي إحساس؛  -آسف، لا يمكننا قبول دمك.
-هل لي أن أعرف السبب.
-طبعا هذا حقك... خذ ،هذه لائحة عشر مدن عبر العالم ، لا يقبل دم ساكنتها و لكل مدينة سبب. و إذا لم تخُنِّي الذاكرة فسبب وجود مدينتك في اللائحة هو نسبة اليورانيوم العالية في دم ساكنتها. ستجد أمام إسم مدينتك موقعا إلكترونيا فيه كل التفاصيل.
أخذ مصطفى الورقة من يد الممرض، ابتسم بصعوبة دون أن ينظر في وجهه ثم انصرف. سؤالان تسابقا إلى رأس مصطفى ، و ليس يدرى أيهما و صل الأول إلى دماغه :هل أخبر ماري أن دمي ملوث باليورانيوم؟ و كيف سأجعل من هذا الخبر مادة خامة لقصة أو رواية ؟ من بعد ذلك بدأت تتناسل الاسئلة و التساؤلات و انهمرت السيناريوهات...
…………….
-هل تسمحي لي بالإنصراف سأمتطي الميترو للذهاب إلى المنزل ...
-طبعا لا مانع، هل أذَكِّرك بعنوان بيتك ، أخشى أن تكون نسيته...
هذه المرة ابتسم و ابتسمت كل عضلات وجهه، و ابتسم قلبه...
-انتبه ، اركب في الخط البرتقالي... محطة  جون طالون....
قبْل أن يبتعد عنها أشار لها بإبهامه و هي تحيَّة يدخرها للمقربين... و بعينه قال لها جملة صغيرة و مركّزة، ربما قال لها '' شكرا ماري '' ، أو لعله قال '' ما أروعك '' ... أو ببساطة أسرَّ لها '' أحبك ''…
في الميترو أخرج مصطفى الورقة ، ألقى نظرة خاطفة على المدن العشرة  ، أمام كل مدينة موقع إلكتروني.
كريخبة أمي ، إن غابت أمي…كريخبة الوطن المنسي... الزهرة و الطلقة و العاصفة الحمراء... من لم يعشق كريخبة فليدفن نفسه في الرمضاء… دندنة أخرى كان مصطفى يستأنس بها حين يداهمه الحنين…
مدينة  متوسطة الكبر ، معروفة وطنيا بعاصمة اليورانيوم . هناك رأى مصطفى النور ، في حي شعبي ، رابع ثلاثة من أسرة متواضعة . كجُلِّ سكان المدينة ، كان الحاج علال ، أبو مصطفى ، يشتغل ب '' الشركة '' ، كلمة لها هالة ومعنى شبه أسطوري  في موروستان . و إسمها الحقيقي '' الشركة العالمية للمناجم'' . لا أحد هناك يعرف أو يريد أن يعرف شيئاً عن أصحابها. كل الذين تناوبوا الجلوس على كرسي الحكم في البلد مرتبطين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالشركة، جل أنشطة المدينة، بل الدولة كلها، تستمد وجودها من الشركة. ثمة تماهي بين الدولة و الشركة ، ولا أحد يعلم أين تتوقف إحداهما لتبتدئ الأخرى. الجميع تواطأ على ألا يتكلم في هذا الموضوع ، و كما كانت الأجيال تتواصى على الكفر بنبي الله نوح ، فيبدو أن ثمة تواصي بين الأجيال على ترك السياسة لأهلها ، فكان الشعار '' من السياسة ترك السياسة '' .
خِلاف إخوته الذين كانوا يُمَنُّون أنفسهم بمنصب ما في الشركة، كان مصطفى يحلم بالهجرة إلى هناك... في فصل الصيف كان أبناء عمه يشعلونها نارا في نفسه حين يزورونهم. كان مصطفى يتابعهم بإعجاب و هم يتحدثون فيما بينهم بالانجليزية وكم كان يستمرئ لكنتهم العربية المتكسرة... كان و هو صغير يترجى الأقدار أن ترسله إلى أمريكا فقط ليركب السيارة و يتعلم الإنجليزية و يتكلم العربية بنفس ‘‘الغنج ''الذي يمارسه أبناء عمه... و الغريب أنه مع الوقت صار يميل أكثر إلى الروايات و الكتب العربية فبات متقدما جدا في هذه اللغة مقابل ضعف في الإنجليزية و جهل شبه كامل بالفرنسية. إضافة إلى مستواه العالي في اللغة العربية ، كان لمصطفى نقطة قوة أخرى إنها هوايته التي أبدع فيها ، الكراطي . الفضل يعود لجاره رضوان صاحب النادي المجاور. أربعيني حائز على الحزام الأسود الدرجة الرابعة، حُرِم نعمة الأولاد، و كأنه صار أبا لكل أطفال الحي، لكنه اختص مصطفى باهتمام أكثر. لا غرابة إذن أن ينال هذا الأخير حزاما أسوداً في زمن قياسي. فكانت الألقاب و الميداليات. و كانت جولات مع النادي داخل الوطن ، و ملتقيات دولية خارجه...
عكس ما ظن الجميع بمن فيهم مصطفى نفسه، لم يكن فيروس الهجرة جزاءً طريفاً من الماضي قد تم القضاء عليه، فقط كان في حالة كمون و تربص. حالة لم تستطع باريس و لا مدريد ، و لا دبي أن تكشف عنها. و لم يتحرك الجني إلا في مونتريال … فكان اختفاء مصطفى عن الأنظار ليعود الفريق الوطني بدونه ، و ليبدأ حياة الهجرة في كندا... كان لابد من طلب اللجوء وكان لابد من العمل ليلا و دون ترخيص، ثم إِذْن خاص بالدراسة فالحصول على وثائق الإقامة فمنحة، فماري... و ها هو الآن يدرس الإعلاميات في مدرسة البوليتكنيك. أما الكاراطي فيمارسه من حين لآخر فقط من أجل الحفاظ على اللياقة حسب قوله...
شقة مصطفى تتكون من غرفة واحدة بسيط أثاثها. أهم ما يميزها هي الفوضى و كتل الملابس و الكتب و بعض كؤوس القهوة هنا و هناك... وسط هذا العبث ، تتفاجأ بسَطْر من الحواسيب سبعة أو ثمانية حاسوب ، طبعا اشتراها من إحدى محلات الأدوات المستعملة ، ناهيك عن حاسوبين محمولين. و الحال أن الوضعية المالية الحرجة جعلت مصطفى يهتم بسوق العملات الدولية. لِنَقُل أنه ضحية ذلك القصف الدعائي الذي تمارسه شركات الفوركس عبر الأنترنيت. إذ لا يكاد يفتح موقعاً إلا وتصطدم عيناه ب '' أصغر مليونير عربي '' أو '' تعلم كيف تصبح مليونير و أنت في بيتك '' و غيرها من الدعايات التي تبشرك بالثراء السريع. و لكونه غير مستعد لأي خسارة، فمصطفى لم يفتح لحد الآن أي حساب حقيقي ، ذلك أن حساباته الستة كلها تجريبية  ، و كلها مدججة بترسانة من برامج التداول الآلي. و يطمح مصطفى أن يطور برنامجا شخصياً للتداول اللآلي ذو مردودية معقولة و العُهدة عليه. و يبدو أن إلمامه ببعض البرامج ساعده كثيرا على التشبث بحلم '' التريدر '' المحترف الكسول . فإذا كان الفوركس بذاته يشجع على الكسل  و '' العمل من البيت ''  فكيف ببرنامج يتكفَّلُ بالبيع و الشراء بدلا عنك. و يبدو أنها واحدة من الفيرسات التي حملها معه مصطفى من بلده الأصلي و إسمه :الرغبة في الربح السريع بأقل جهد. لا ينكر أحد أن مصطفى أضحى خبيراً، ولو نظرياً، في مجال العملات الدولية و والدليل أنه أصبح محجاً لأصدقائه الذين يريدون إرسال المال إلى عائلاتهم  ، فإما يشجعهم على الإسراع أو ينصحهم بالتريث حسب رؤيته لسوق العملات . كما أنه و على غرار المهنيين المحترفين كان يترقب خطابات رئيس البنك المركزي الأمريكي بحماس، و لا يتوانى عن وصفه بأقوى رجل في العالم. ذلك أن العالم بأسره ، حسب مصطفى ، يكون في حالة خشوع عند سماع خطاب هذه الشخصية التي تؤثر بطريقة مباشرة على كل بورصات العالم.
طفولة مصطفى ، تجاربه ، أحلامه ، تعلقه بماري وأشياء كثيرة أخرى تجعل التنبؤ بما يجول في دماغه أمرا مستحيلاً . أما الآن فأقسم بأغلظ الأيمان أن كل ما كان يهمه في تلك اللحظة هو الموقع الإلكتروني المكتوب أمام مدينته ، و الذي من المفترض أن يشبع فضوله ، و يجيب على تساؤلاته … 
'' من السياسة ترك السياسة '' ، لا يدري مصطفى لماذا خطرت على باله هذه اللازمة ... هل عاش آباؤنا و عشنا من بعدهم تحت تأثير غسل ممنهج للدماغ ؟  لماذا لم ينبري أحد من مثقفينا ، وُعَّاظُنا أو أطباؤنا ليجعلونا فقط نتساءل هل توجد نسبة واحد في المليون من إمكانية تأثرنا بالعيش داخل منجم ؟
من عادة مصطفى أن لا يفارق حاسوبه المحمول، لكنه اليوم كان يفكر في الذهاب مع ماري إلى إحدى البوفيات الرخيصة بعد الإنتهاء من بِدعة التبرع بالدم. لذلك ارْتأى ألا يحمله . لذلك ما إن فتح الباب حتى أجر بعينيه مسح ضوئي بحثا عن إبنه كما يحب أن يسميه. انقض عليه ،فتحه بسرعة ، شغَّله ،وأخذ ينتظر بعصبية تلك الثواني و تلك الرنة التي تنبؤك بجاهزيَّة نظام الوندوز و الذي من المفترض أن إسمه بالعربية النوافذ ...
أدخل إسم الموقع ، و كان يتمنى أن لا يكون المحتوى بالإنجليزية . صحيح أنه  عند الحاجة يستعمل ترجمة المحرك غوغل ،و تكون النتيجة طيبة على العموم ، لكنه هذه المرة كان يفضل القراء مباشرة بالفرنسية . ذلك أن اللغة السائدة في إقليم كيبيك هي الفرنسية و هي لغة الدراسة ، كما أنه قد استفاد من دورات مجانية في الفرنسية قبل تسوية و وضعيته ، و فوق هذا و ذاك هي اللغة التي يتكلم بها مع ماري... ماري، كم كان حضورها سيكون مفيدا. لكن مصطفى لا يريدها أن تعرف شيئاً على الأقل حتى تتضح الرؤية.
تباً … ثمة مشكلة ما، الرابط لا يعمل. استبدل مصطفى التمديدات Com. ، org. .net دون جدوى .لا يبدو أن هناك عطب في شبكة الأنترنيت ، فالرسومات البيانية في الشاشات الأخرى تتحرك صعودا و نزولا حسب العملات...
تعلم مصطفى من الكاراطي أن القدرة على التحكم في النفس هي الفيْصل بين الرياضي المحترف و غيره ، و قد جرب هذا الأمر في مواقف عدة سواء داخل الحلبة أو خارجها. كما علّمته مدْرَسته و مدرِّسته ماري أن '' لا شيء يستحق...'' و أن أهم وسيلة لحل المشاكل هي الضحك عليها. و إن كان مصطفى قد آلى على نفسه ألا يقترب المنشطات ، فيبدو أن مجرد تَذَكُّر ماري له مفعول كيلوغرام من البانترازول و البيرادول التي تستعمل كمحفزات للجهاز العصبي.
إسم ماري كان عيداً في فمي ، جسم ماري كان عرساً في دمي... و المدينة كنست كل المغنين.. و ماري ''... هكذا دندن مصطفى، قبل أن يتوقف... من عادته في مثل هذه الحالة، أن يستغيث بكأس من القهوة دون سكر. لكنه هذه المرة فضل ألا يبتعد عن حاسوبه.
قرر أن يترك مؤقتا موضوع الرابط الذي أبى أن يستجيب . فتح صفحة الوورد و طفق يمرر أصابعه على لوحة المفاتيح كأنه عازف بيانو. رغم أن مصطفى يدرس الإعلاميات بالفرنسية، إلا أنه استطاع أن يُطوِّع أصابعه على لوحة المفاتح بالعربية، و هو ما يثير استغراب زملائه...
و كأن جنّا تلبَّسه، و كأنه يخشى أن تضيع منه التفاصيل، انهمك مصطفى يكتب بسرعة... لم يكن متأكدا ماذا يكتب بالضبط، قصة قصيرة، رواية، أم مجرد خواطر... كل ما في الأمر أنه استعمل كل ما وقع له في مركز تحاقن الدم ، بل و كل ما عاشه في جمهورية '' الشركة '' . كتاباته غالباً ما تكون حبلى بإيحاءات تاريخية و أحداث  واقعية من هنا و هناك ، يُغَيِّر  بعض الأسماء حينا و يعفو عنها أحياناً. لا يشك أحد في قدرته العجيبة على الخلط بين الواقع و الخيال ، لا جرم أنه معجب بالساحر دان براون صاحب '' الرمز السري '' و '' شفرة دافينتشي '' و '' الجحيم ''..
يُبرِّر مصطفى طريقته في الكتابة بكونه لا يكتب مقالات سياسية، و أنه يفضِّل أن يحرر كتاباته من سطوة السياسة أو ما يسميها بدكتاتورية اللحظة. و الحال أنه يمارس نوعاً من التَّقية ، ترعرت و نمت فى ظل  '' دولة الشركة ''.
آدم، مواطن من جمهورية أرابلاند  arabland العربية الدمقراطية ،أراد له مصطفى أن يصير مهاجرا سريا في أستراليا وسمح له أن يتبرع بالدم لحبيبته التي تعرضت لحادثة سير و التي فعلت المستحيل كي  تسوي وضعيته القانونية .
  يبدو أن مصطفى كان يكتب بصفة نصف لا شعورية. لذلك أطلق على كل الأجنبيات النبيلات إسم ماري ، كما جعل بطله يكتشف أن دمه هو الآخر ملوث بمادة غريبة.  سيستعمل مصطفى كل طاقاته الخيالية و كل الروايات التي قرأها و الأفلام التي شاهدها ، ليجعل من آدم بطلا قومياً في بلاده. ذلك أنه اكتشف أن إحدى الجمعيات الخيرية العالمية و التي تترأس فرعها المحلي زوجة الرئيس ما هي إلا غطاء لشركة أخطبوطية تعمل على دفن النفايات النووية في بلده. أرسل مصطفى بواسطة بطله عدة تحاليل و دراسات إلى صحيفة مغمورة بدولة أرابلاند. و من هناك ستبدأ المعركة... تأْبى خلاَّقية مصطفى إلّا أن تجعل من هذه المسألة سبباً في اندلاع انتفاضة في البلد …و لم ينتظر البلد المجاور، دولة الجزر السوداء، كثيراً حتّى سخر إعلامه و غدا يحرض على الثورة ضد النظام الحاكم. كما أنه استعمل نفوذه كي تجمد عضوية أرابلاند في منظمة الصحة العالمية و في منظمة اليونيسكو. 
و استغل مصطفى حيثيات إحدى تجاربه الشخصية ، حين أثبتت إحدى الفحوصات التي أُخضِعَ لها من طرف الجامعة القارية للكاراطي وجود نسبة قليلة من مادة فينكامين في دمه ، و قد تحمَّل طبيب الفريق حينها المسؤلية و أقر بأنه هو من وصف لمصطفى دواء يحتوي على هذه المادة التي تنشط الجهاز التنفسي و لم تكن أصلا يومها مصنفة في لائحة المنشطات. و رغم اقتناع الجامعة بدفوعات الطبيب ، إلا أن ذلك لم يمنع أحد الرياضيين الذين انهزموا امام مصطفى في المبارة النهائية أن يثير زوبعة من الإنتقادات و الإحتجاجات. وكون أرابلاند معروف بتفوقه في ألعاب القوى ، فقد أَنْطَق مصطفى في قصته بعض العدائين القدامى و جعلهم يكتبون العرائض للجامعة الدولية لألعاب القوى ليسحبوا الميداليات التي حصل عليها مواطنوا آدم ، خاصة منهم العداء الأسطورة فرحان طويع و العداءة عطاء المعتمد. و أمدهم مصطفى بحجج طريفة مفادها أن تربة أرابلاند مشبعة بإشعاعات نووية و ربما كان لذلك انعكاس إيجابي و لو مؤقت على الرياضيين مما يفسر تفوقهم في المسافات الطويلة رغم انعدام أي بنية تحتية. كما جمح الخيال بمصطفى ، فأوْعز إلى أحد الأجانب المقيمين فى إنجلترا أن يرفع دعوى طلاق وتعويض ضد زوجته التي تنحدر من أرابلاند، و جعله يتذرع بكونه تعرض للغبن لأن هذه الأخيرة لم تخبره بحقيقة دمها الملوث.
آدم : وددت لو أقضي بعض الأيام في هذا المستشفى ، يبدو أن الممرضات الأستراليات يُتقنَّ عملهن.
ماري : و أنا وددت أن أذبحك ، لكني لا أستطيع.
آدم : أعرف أنك تحبينني و لا يمكنك أن تفعليها
ماري : لا يا صديقي ، فقط لأن دمك يحتوي على مواد نووية ، و أخاف على بلادي من شرنوبيل أسترالية.
و مرّة أُخرى وبطريقة لا شعورية ، قمَّص مصطفى ماري الأسترالية نفس الروح المَرحة الذي تتمع به ماري الكَنَدية  .
انتهى مصطفى من كتابة ، قصته ، أو بالأحرى مشروع قصته ، فالأكيد أنه سيعود إليها و يُنقِّحها ، و قد يتذكر بعض التفاصيل الأخرى فيزيد و ينقص . انتبه إلى أن الأمر استغرق أكثر من سبع ساعات . من حسن حظه ، أو ربما من سوئه أنه كان قد نسيَ هاتفه في وضعية '' صامت '' بعدما طلِبَ منه ذلك في مركز تحاقن الدم . ألقى عليه نظرة  ، فأحس بنوع من الذنب . لقد اتصلت ماري أكثر من عشر مرات ، و تركت أربع رسائل صوتية. قرر أن يحفظ قصته في الحاسوب و يتصل بها. لكنه ارتأى أن يعيد قراءة ما كتب .
اكتشف بعض الأخطاء الإملائية وأخرى موضوعية. فمثلا شبَّه رئيس دولة الجزر السوداء بالسيدة فيوريطا تشامورو و وصفها برئيسة الهندوراس، ليتذكر فيما بعد أنها كانت رئيسة نكاراغوا . كما أنه انتبه إلى خطئٍ آخر أكثر عمقاً ، ذلك أنه جعل بطله آدم يستشهد بإحدى الخطابات التي ألقاها باراك أوباما في الربع الأخير من حياته الرئاسية ،وهي فترة كان فيها ثمن البترول متدنياً ، في حين أن الإطار التاريخي للقصة يقتضي عصراً ذهبياً تتمكن فيه دولة الجزر السوداء البترولية من الإنفاق بسخاء لمناكفة جارتها اللدودة أرابلاند العربية الديمقراطية. 
وضع مصطفى بعض العلامات باللون الأحمر على أن يعود فيما بعد للقيام بالرتوشات الضرورية. ألقى نظرته الأخيرة على النص، ضغط على زر الحفظ ثم همّ بإغلاق الصفحة.لكنه سحب فجأة أصبعه، وكأنه أحس أن ثمة خلل آخر لم ينتبه إليه وأنه أكثر أهمية من كل الأخطاء الأخرى.
كعازف بيانو منتشي بالنوتات الأخيرة من سيمفونيته ، كتب مصطفى في أعلى الصفحة '' أحداث هذه القصة خيالية لا تمُتُّ إلى الواقع بِصِلَة '' ، أبعد مصطفى أصابعه عن لوحة المفاتيح و ابتسم كعادته كلما كتب هذه الجملة.


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق