محمود العكري يكتب: سقراط الحكيم 2


تتمة:
ويتفق سقراط ويوربيدس كذلك على أن الكون مرتب في أحسن نظام، وقد وصل التفاهم و التناغم بينهما إلى درجة أن سقراط كما يقال كان يساهم في كتابة المسرحيات اليوربيدية ويساعده في تحديد مضمونها وأهدافها، كما أنهما تحالفا ضد شاعر الكوميديا أريسطوفان لأنه في مسرحيته " السحب " جعل سقراط موضوع سخرية، واعتبره صاحب مدرسة سفسطائية، بل وأكثر من ذلك فقد أذاع سقراط قصة عرافة دلفي التي جعلته أحكم الأثينيين، وعندما سئل عن الأكثر حكمة في المرتبة الثانية من بعده لم يذكر سوى اسم يوربيدس. يتفق كذلك سقراط ويوربيدس في تحررهما من الأسطورة، بل والأكثر من ذلك قتلهما وتدميرهما لها وهذا بسبب نزعتهما التشكيكية والروح العلمية، فقد كان يوربيدس مدفوعا بنزعته الواقعية والعقلانية يعمل على تمحيص الأسطورة والتشكيك فيها، فهو لم يتقبل الصورة القديمة التي رسمتها للآلهة، والتي تظهرها بصورة إنسانية، إنسانية جدا. بحيث كانت ترتكب في الأساطير مختلف الأعمال المخلة كالسرقة و المراوغة والزنا مع البشر . وبما أن هناك غائية كونية موجهة لصالح الإنسان، فما عليه إلا أن يستعمل ملكته العقلية ويرسم خطوات منهجية أثناء تفكيره، وينتقل من مرحلة إلى أخرى مربوطة بصورة منطقية حيث تتولد النتائج ضرورة عن المقدمات وهكذا حتى يتم الوصول إلى معرفة الحقيقة وكشف سر الوجود المحتجب. وهنا يظهر الاعتماد الكلي لسقراط على العقل، واستبعاده التام لكل ما يمت بصلة إلى العاطفة، فالعقل هو المؤهل أكثر من غيره على السير السليم والصحيح في عملية فهم حقيقة الوجود. إن المنطق العقلي القائم على أسس وقواعد، لا يمكن أن يقبل قضيتين متناقضتين وهذا ما سمي لاحقا بمبدأ عدم التناقض. لكن في المنطق التراجيدي لا يمكن أصلا الفصل بين ما هو خاطئ أو صحيح، لأن الكون لا يتسم بالوضوح مثلما تصوره سقراط، بل الوجود في التصور التراجيدي يتسم بالغموض والإنغلاق والتكتم واللامنطقية. نلاحظ إذن، أن التفاؤل الذي تولده المعرفة العقلية والمنطقية، هو نقيض التشاؤم التراجيدي الناتج عن غموض الكون وانعدام منطق الحياة. فالحياة مسلاة عند من يفكر، لكنها في الحقيقة مأساة عند من يشعر أو يحس، وسقراط أبى إلا أن يفكر. ويخلص نيتشه إلى أن موت التراجيديا كان أمرا محتوما على يد كل من سقراط ويوربيدس لأنهما قاما بالقضاء على شرط إستمرارها وبقائها وهي الأسطورة. فتمجيد نيتشه للبهجة الإغريقية الحقيقية التي استطاعت التغلب على قسوة الوجود وذلك بتأكيده، سرعان ما اندثرت مع بداية الحقبة الثانية من الفلسفة الإغريقية التي كانت مع سقراط، وهكذا فقد حلت محلها بهجة ضحلة إلى أقصى حد " بهجة العبد الذي ليس له مكانة رفيعة يكون مسؤولا عنها، و ليس لديه شيء عظيم يكافح من أجله، ولا يعرض الماضي أو المستقبل ليقيمهما أكثر من تقييمه للحاضر ". فالمسؤول الحقيقي عن موت التراجيديا يتمثل بالأساس في إقصاء ديونيسيوس من على خشبة المسرح وذلك بواسطة قوة شيطانية تتكلم من خلال يوربيدس وحتى يوربيدس كما أسلفنا الذكر كان مجرد قناع بمعنى ما، وذلك إذا أخذنا في الحسبان بأن الإله الذي تكلم من خلاله لم يكن ديونيسيوس ولا أبوللو ولكنه إله حديث الميلاد يسمى سقراط. وهذا بالضبط هو مكمن التعارض بين الديونيسيوسي والسقراطي، وبهذا التعارض دمرت التراجيديا الإغريقية. وهنا يجب الانتباه إلى مسألة مهمة في الفكر النيتشوي مفادها: أن نيتشه يقدم سقراط كإله وليس كإنسان، ونلاحظ كذلك أن نيتشه يستخدم كلمة " سقراطي " وفي هذا الاستخدام إرهاص لما يسمى في المرحلة الأخيرة من حياة نيتشه بالسقراطية فنيتشه إذن ينظر إلى سقراط كحدث رمزي، وهذا ما يعنيه بالسقراطية، فاهتمام نيتشه كان أبعد من سقراط التاريخي. يذهب نيتشه بعد ذلك في تحليله للشخصية السقراطية فيرى أن يوربيدس قد تأثر بها في اتجاهه الدرامي من خلال القول الأسمى لسقراط الذي يتمثل في " كل شيء يجب أن يكون معقولا ليكون جميلا " باعتباره مبدأ مكملا لقوله " المعرفة فضيلة". وبهذا المبدأ حدد يوربيدس كل عناصر الدراما: اللغة، الشخصيات البناء الدرامي، وموسيقى الكورس. وهكذا اهتدى يوربيدس بالسقراطية الجمالية فاستخدم منهجا عقليا مضحيا بالتشويق الأسطوري الغامض لدى أسلافه من التراجيديين، مما أدى في رأي نيتشه إلى موت التراجيديا الإغريقية " وعلى أية حال فإن سقراط هو المشاهد الذي لم يفهم التراجيديا ولذلك فإنه لم يقدرها حق قدرها. ولقد حاول يوربيدس متحالفا معه أن يكون رسولا لفن جديد، وإذا كان هذا هو السبب في موت التراجيديا فإن السقراطية الجمالية تصبح هي المبدأ الذي يكمن خلف إغتيال التراجيديا، ولكن بقدر ما كان الصراع موجها ضد العنصر الديونيسيوسي في التراجيديا القديمة يمكننا أن ننظر إلى سقراط باعتباره خصما لديونيسيوس. " إنه أورفيس الجديد الذي ثار ضد ديونيسيوس ".
يتبع

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق