جلال العيساوي يكتب: الايديولوجية الدينية في خدمة التخلف


يعتبر الدين عبارة عن منظومة من الأفكار والعقائد المشحونة بمكارم الأخلاق و قيم التسامح التي وتنظم علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وبربه عن طريق الإتصال الروحي الذي يكمن في ممارسة الطقوس والشعائر التي توضح حسب أفكار معتنقيها الغاية من الحياة و الكون، كما تنبني على الإعتقاد المرتبط بالماورائيات والإلهيات (أي ما وراء الطبيعة). لذلك كان من الممكن إنشاء خريطة جغرافية فكرية تتبنى فيها مدارج معنى للدين وإبلاغ الرسالة الدينية القيومية بوصفها الصراط المستقيم. وهو ما يسمى بالإيديولوجيا الدينية، حتى لا يبقى الدين مجرد نص متعال عن الزمن أو خارجه، ولا الإيديولوجيا تظل مجرد تصورات وأفكار في الذهن وكلمات لا طائل منها. وبالتالي يغدو الدين عبارة عن ظاهرة إجتماعية علمية إتخدت لنفسها إستراتجية فكرية لمعالجة متغيرات الواقع وفهمها وإعادة فهمها فهما عميقا. فالإيديولوجيا لا تنفصل عن الدين وإنما تقيم معه مسكن واحد، وإنما تصبح كيان علمي يعالج قوانين الكون التي تتغير بتغير الزمان ومفتاح معرفي ديني كالذي يتداوله الفكر الإسلامي مثلا كمفهوم الدعوة وعلم الكلام والمناظرة.. وفي الفكر المسيحي كمصطلح التبشير والمنظومة اللاهوتية...
فما هو جوهر وسر هذه الإيديولوجيا الدينية التي يمارسونها الفاعلين المتدينين من أجل إنشاء لعبتهم الغرضية في فضاء المقدس؟ أو بالأحرى كيف يوظف الدين في خدمة التخلف؟ 
هذا التخلف والإنحطاط الذي هو نتاج بشري من الدرجة الأولى قد نراه بطريقة شمولية مشيدة ومبنية تستعمل الدين كقيمة عليا لمصادرة الداعية المتدين صوت يلعب دور "التقية" ظاهره الإيمان والصدق والأمان وباطنه المكر والخدع والكذب، فيعلو الصوت ويصبح مؤثرا ومضعضعا للمشاعر ليستحوذ هذا الرنين على عقول الناس وبالتالي تكون عملية التغيير و التصحيح شبه مستحيلة. ومن هنا نستطيع القول أن التخلف بناء كامل ومحكما بمبادئ وقواعد مرسومة ،أما قواعده المركزية مرتكزة عاى مصالح الأنا العليا المتجلية في مجموعة من المنطلقات التي تعمل على غرس قيمها في كل عناصر المجتمع وهذه العناصر لا تعني الإنسان فقط وإنما المؤسسات التعليمية والإجتماعية كالبيت الذي يعتبر وحدة صغيرة يسهل إقتحامها والتأثير فيها لتصل إلى نواتها الأكبر وهي القبيلة والجماعة.. ومن مظاهر التخلف دور الإنتاج المعرفي وتسييس المصطلح الشرعي الفقهي لغايات لا تخدم سوى مصالحهم الكبرى، تكمن مثلا في كبح الفعل الإحتجاجي على مواجهة الفساد والإستبداد والدعوة على إقناع الناس بأن الصبر والدعاء وإرجاء القصاص من الأخرة هي الخطة الأضمن لركوب سفينة النجاة من عقاب الحياة الغيبية ومن هنا نستنتج أن الدولة قد بدلت جهود حقيقية بتحالف مع مافيات القوات المسلحة بإيديولوجية دينية لكي ومنحنا دينا يسعفنا على تحمل عنف الدنيا ،وإستعبلد بعضنا البعض فهي قد نفت الإسلام الثوري الذي أجاب عنه النبي محمد (ص) صحابيا حين سأله عن الإيمان قائلا :" الإيمان هو أن تقول كلمة حق في مجلس حاكم ظالم .." فهذا الحديث لا يوجد في البرامج التعليمية المدرسية. هذا هو الإسلام التي تم إحفاؤه وسحقه تحت القشرة الصلبة للإسلام المتوازن الذي يقدم التحكيم في النفس والعبادة بالعلم والتآخي و الرحمة.. باعتبارها من آليات الدين للفوز بالحياة الأواى والأخرة. وهناك قاعدة أخرى تتمثل في تأجيج النيران بين اﻹنسان والتفرقة بحسب الإنتماء الديني والعرقي بالإظافة إلى تسليم راية التطرف وإصدار فتاوى ذبح الآخر وإقصاء الأخر والنتيجة ما نلاحظه في المناطق العربية التي لا توجد أمة ماضيها حاضر وماثل بعنف في حاضر الأمة العربية. 
فالعورة الكبرى مع المسلمين كما يقول عبد الرزاق الجبران هي أن أصبح قانونهم هو فقهم و فقهم هو قانونهم وفي هذا تشوه للاسلام، فالنصارى حورب بفقه الذمة واحتلت الدول و إستعبدت بفقه الفتوحات واستلبت الأموال بفقه الخراج، وقتل المسلمون بفقه الخوارج.. وأصبح الفقيه حاكما على النبي والفقه حاكما على القرآن، نسوا أن الله صب الأنبياء فبدأت الناس تشرب الفقهاء، وعن هذا نتجت كوارث الأديان التي إنسلخت عن مفهومها الأخلاقي وإجهاض النهضة الفكرية.
وإذا ما أردنا أن نخمد النيران أو نضمد الجرح ليشفى علينا أن ندرك أن قضيتنا هي قضية إنسان وأن نتعامل مع بعضنا على قدر الكفاءة لا الإنتماء، بالإضافة إلى تجديد الخطاب الديني من خطاب كلاسيكي رجعي و ظلامي إلى خطاب تنويري يسعى إلى معرفة الواقع و إدراك كيفية التغيير وكما يقول عبد الفتاح لا يمكن أن نغير العالم بكتب فقه وإنما بعقول واعية مدركة تتبنى القيم وتدرك أن القيم هي كرامة الإنسان.
فالتكوينة الإلهية التي وضعها الله في الإنسان هي الروح والفكر عندما ينظر الإنسان إلى ذاته جيداً بمعزل عن المادية سيصل إلى الله حتماً، أما تسييس الدين بطبيعة الإنسان حين ينظر إلى الله يسييس الدين ويسييس ذاته وينسى مواطنة الإنسان في بلده وضمن محيطه، تسييس الدين الذي وضعه الإنسان بعد ظهور الديانات أوصل هذا الكون إلى أديولوجية دينية تخدم مصالح شخصية. 
متى يعود الإنسان لكونه خليفة الله في الأرض؟

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق