موسى الرمو يكتب: الفرگونة الخربانة


عندما أقمت معرضي في "الفرگونة الخربانة " أرادوا مني التحدث عن أسباب اختياري لهذه العربة مكان لإقامة معرضي الفني، طلب مني أن أتحدث عن ذكرياتي معها،
لم أرغب بالتوسع بالحديث ﻷنني شعرت أن هناك شيئا ناقصا، فكثير من اﻷمور لا يمكن فصلها عن بعض مثل الماضي والمستقبل والحاضر، فأنا دائما أشعر أن الزمن مثل القطار المراحل كلها مترابطة ببعضها تسير على سكة واحدة هي "الزمن"، يجرها رأس القطار وهو "القدر" ولا يمكن فصل العربات فمن دون السكة والرأس لا يمكنها السير،
تذكرت عندما كان عمري أربع سنوات حين شاهدت القطار ﻷول مرة، كان منظرا مهيبا لم أنم في تلك الليلة وأنا أفكر بشكل القطار وحجمه، كان ساحرا ومدهشا، لم أخف منه وقتها مثل كل أطفال الحي، كانوا يرونه أفعى كبيرة أو حصان كبير ويخرج رأسه دخان،
فقد كنت أراه طائرة ورقية تتلوى وسكة الحديد خيط طويل،
كنت كلما سمعت صوته ركضت خلف البيت ووقفت أتأمله ألوح بيدي له معتقدا أن كل من في داخله يعرفني و يراني
وكنت أعد العربات واحدة تلو اﻷخرى مثل شيخ يسبح بمسباحه.
على السكة هناك كانت ترقد عربة أنهت خدمتها واستراحت مثل رجل فنى عمره بالعمل وجلس أمام بيته يرتاح، يسمونها أهل المدينة "الفرگونة الخربانة" وأطلق على الحي المحيط بها اسم "حارة الفرگونة الخربانة" وسمي موقف الباص القريب منها موقف "الفرگونة الخربانة "
أصعد الى العربة وأمضي في رحلتي أسافر الى كل المدن السورية وكل القرى والبلدات وألوّح للأطفال بيدي أطوف بلدي طولا وعرضا جنوبا وشمالا دونما رقيب دون حواجز ولا ترهيب.
من القامشلي الى الحسكة ودير الزور وأمرّ بمدينتي الرقة وحلب وإدلب واللاذقية وطرطوس وحماة وحمص ودمشق ودرعا والسويداء أسافر أسافر والعربة متوقفة بذات المكان وأنا أحلم.
في رمضان وبعد اﻹفطار كان أطفال الحي دائما يلعبون "الحرب" كانوا يقلدون ما يروه على "التلفاز" من مسلسلات تاريخية ودينية كانت تقدم لهم الحرب والموت "كثقافة" وكان اﻷطفال يلعبون الحرب مع "الحارة الثانية" مثل تصفيات كرة القدم بين الحارات يبدأ داخل الحي لعب وينتهي مع الحارة الثانية بشكل جدي لدرجة يتسبب بإيذاء بعض اﻷطفال ولا يعلم اﻷهل بذلك إلا متأخرا أو عند حصول جرح أو إيذاء طفل.
دخلت لعبة "الحرب" مثل كل أولاد الحي واﻷحياء المجاورة، كانت سيوفهم من حديد إلا سيفي كان من خشب صنعه لي والدي من خشب "سحارة بندورة"
دخلت مبارزة مع شخص من حارة "الفرگونة الخربانة" وكسر لي سيفي الخشبي من الظربة اﻷولى كان سيفه معدنيا صلبا مصنوع من قطعة معدنية انتزعها من إحدى زوايا "الفرگونة الخربانة "،
كان مع رفاقه ينصبون للقطار القادم من القامشلي أو من دمشق كمينا ويختبئون بين الحفر وينقضوا عليه بالحجر عند وصوله فيحطمون زجاجه ويجرحون ركابه ويهرب القطار مسرعا مهزوما تاركا خلفه العربة المسنة للأطفال يفككون من عظامها سيوفهم للاقتتال،
دائما كنت أرى تلك العربة المتوقفة على سكة القطار على أنها تحفة فنية وأن لها روحا تتنفس فكم زارت مدن و بلدات وكم حملت على ظهرها مواسم وأمتعة وبضائع وكم نحتت السكك من لحم عجلاتها و نبتت سنابل قمح،
كنت أتذكر الماضي وأنا أعلم أن التاريخ يعيد نفسه لكنني لم أتخيل أبدا أن كرههم وحقدهم للقطار سوف يكبر معهم كحال فشلهم بالحياة، نزعوا سكة الحديد وزرعوا لغم أرادوا قتل ضابط كان عائدا من إجازته ورجلا مسنا عائد من الطبيب مات وهو ممسك بدوائه عند صدره، وأطفال وعشرات اﻷبرياء. باعوا سكة الحديد في سوق الخردة وأنار أميرهم بيته من مولدة القطار بعد أن دمروا محطة الكهرباء لقتل حارس ليلي يحمل بندقية..!!

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق