موسى الرمو يكتب: النهر يذبح مرتين


كانت تجلس على يمين السائق حين مرت السيارة من أمام أعمال فنية كنت قد وضعتها على رصيف شارع حيوي في مدينتي الرقة، كان السائق يتقصد أن يحجب الرؤية عن الجالس الى يمينه لئلا يشاهد ما هو على اليسار من نفايات لا تليق بالرقة أمام ضيفتنا المشهورة. 
لكنه لم يتوقع منها حين طلبت منه التوقف. 
فوقف على اليمين وسألته ما هذه الأشياء الموجودة على الرصيف؟ فأجابها ساخرا لاتشغلي بالك سيدتي لا شيء مهم كتل إسمنية وضعها فنان ويسميها (توالف بيئة) وضحك ساخرا ثم أكمل سيره بسيارة الدولة، 
أصرت عليه وقالت له أرجوك توقف.. فوقف. وقالت إن هذا فن وإنني متفاجأة به هنا.. إنها جدا جميلة.
وعندما عرف ما هو رأيها وأنها معجبة بها غير كلامه وأجابها إن الفنان يدعى فلان. وتابعا طريقهما في جولة استكشافية للمدينة بعد أن أطالت النظر في تلك الأعمال. 
 كان هذا بعد ثلاثة سنوات من زيارة أكرمني بها الفنان أيمن الناصر وقتها قال لي اﻵن عدت من موقع الأعمال.. لم أرتح أبدا إلا وذهبت ولأراها بعد أن أخبرني صديقي عن وجودها في ذاك الشارع معتقدا أنني من وضعها، 
ذهبت و أنا أقول في نفسي هذه اﻷفكار هي لموسى ومن غيره دائما يفاجئنا بشيء غريب هكذا..
  تناقشنا وقتها حول تلك التجربة ودار حوار لطيف بيننا وكان الشاي ثالثنا. 
كانت السيدة منى واصف هي رئيسة لجنة التحكيم في المهرجان المسرحي المقام حينها في مديرية الثقافة في الرقة والذي كنت مشاركا فيه مصمما ومنفذا لديكور إحدى المسرحيات..
قال لها السائق مشيرا بيده معرفا عني.. الفنان الذي أخبرتك عنه ليلة البارحة 
(تبع الحفاظ على البيئة) تقدمت أنا قليلا وتبادلت التحية مع السيدة الضيفة.. وأسرع ليخبرني هو بما دار من حديث بينهما ليلة البارحة مبررا خجله أمامها لما بدر منه عني، 
كان هذا النقاش لا يعنيها وكانت تريده أن ينتهي لتبدأ هي وتسألني عن فكرة اﻷعمال وما الدافع من تنفيذي لهكذا أعمال وبهكذا مواد.. 
شرحت لها كيف أن موظفين من بلدية الرقة يقومون بردم النهر من اﻷنقاض ومن النفايات ويشكلون مساحات جديدة ويبيعونها لمن هم مثلهم لصوص ومتنفذين وحرامية من موظفين بالدولة وأن كل أهالي مدينتي يعرفون هذا.. لكن ما من يستطيع الكلام. 
وأما فكرتي هذه فكانت للحد من تلك الظاهرة. كنت أحدثها وأنا أرى الحزن في عينيها وهي تهز رأسها صامتة متألمة لما أقول..
تنهدت ووضعت يدها على كتفي مطبطبة علي كمن يهدهد على طفل بالمهد ليغفو قائلة لا تحزن ولا تيأس واستمر برسالتك ولا تدعهم يؤذون النهر. 
إن من يبيع اليوم قطعة من النهر غدا يبيع النهر والسد ومن يبيع النهر والسد يبيع الوطن كاملا. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق