حسين كامل يكتب: أصل مفقود



إلتقيت به، في بغداد، بالقرب من مقهى، نهاية شارع المكاتب، كان ذو لحية كـثّة وشعر منفوش، تجاعيد وجهه تضم في منعطفاتها حكايات عظيمة، تبدو وراء عينيه ملامح لوطن ما، يرتدي معطفا زيتونيا رثّا، مرقعة ثقوبه بقطع مختلفة الألوان وسروالا أسود مهترئا مسدولا على حذاء عريض متعب.
-أنت الذي…! 
قال لي وهو هارب من ضوضاء السوق.
-نعم أنا. 
-تعال وشرّبني الشاي.
لم ألغِ طلبه، جلسنا داخل المقهى على طاولة  منزوية.
خاط قدح الشاي فوق الصحن المزخرف بصور حضارية، أخرج كيسا عتيقا من داخل معطفه، لف لفافة تبغ واحدة، انتزع الدخان بنفس ثقيل، اضمحل غمد السيجارة، نفث الاختناق من رئتيه، تكلل الصحن بالضباب: 
-منذ وقت طويل ولم أركَ في السوق. 
-ذات يوم بحثت عليك في الزقاق ولم أجدك.
-كنت بعيداً عن المدينة، أنظر إلى وجه الصحن، أي لون ترى. 
ألملم بقايا دهشتي، أحملق في الدخان، أعاود عزل الصور أمامي، أشطب رماديتها، تعتلي الحيرة جبهتي:  
-ثمة وميض أزرق يحيط الأسطورة. 
لا يشبعه الجواب، بسلوك منفرد، وضع القدح فارغاً وحيداً على جانب الطاولة:
-لولا النقطة الزرقاء الباهتة لما وجد الهيام. 
أبتلع حديثي، أغص بالحروف، تتراكم الكلمات، تزدحم العبارات، أتلعثم بحيرة الرد: 
-لم أفهم ماتقول، أي هيام تقصد؟
بيني وبينه فراغ.. كرسي.. دخان..  يسرح في عيني، يتمايل قليلا، يبدو الجواب مصيدة له: 
-رجل ولد في سفينة على ثدي نهرٍ من الوقت. 
أتلهّف حاضر الذهن، أستغرب من كلامه، متأهباّ لمعرفة مغزى علامات الاستفهام المتصارعة فوق حلبة الطاولة. 
-ياحسين الحياة مؤخرة، رهزتها الخطيئة بشهوتها. 
ماعليك أنت أن تكون رجلاً مكافح صلب حتى تعرف. 
-لكن كيف؟
-لا تهمك كيف أعرف جواب لماذا. 
اعتلاني الخوف، سألته من تكن أنت؟
أنا بقايا هيكل، تقوقعت حول نفسي في مرسم إحدى الفنانين كالقنفذ بزاوية صغيرة أقف فيها أمام جوهرة فريدة متميزة عن سائر المخلوقات حيث لا مفر من المواجهة حتى أن وجدت أحسن سلاح للدفاع عني وعن الاعداء!! 
-كنت جندياً.
-أقصد المارد الذي في داخلي.
الحرب لا تنتهي ياصاحبي مادام كلما نهزم أعداء نزعم على خلق أعداء جدد. 
أنظر إلى الجنرالات، القادة، قطرات الدم المستباحة فوق تلال التراب.
القتال في الحصول على معرفة أعظم من الحصول على زاوية في ربع الكرة الأرضية. 
في ذات اللحظة نفسها، أستذكر قول غلادويل* الكثير من ماهو ذو قيمة في العالم ينجم تضارب غير متوازن: أن فعل مواجهة العظمة. سجال ينتج عظمة وجمال. 
-سوف أحمل فوق كتغي ذرة الرمل تلك التي تبدو لي نقطة باهتة في وجهك. 
-إحذر ياحسين لا تخاطر معها اكتف بما لدية من جزئياتها حينما تعرف الكل لا شيء ينقذك من حتمية الذي أنا عليه. 
نهى كلامه بأخر رشفة شاي باردة... وخرجنا. 
                          
                                         -1-
انعزلت لمدة عن النادي الطلابي ، أتداور بين المكتبة والوحدة الفنية، أجلس وحدي في نهاية حديقة ممر جامعتي، أنطوي على ذاتي كالطفل حينما يحضن صدر أمه، تتقافز الأسئلة أمامي وأفكر .. أفكر .. أفكر.  بلغة صامتة.

                                        -2- 
أعود دائما لنفس المقهى، أتصفح الوجوه، لم أجده، أجلس أمام الطاولة منتظرا قدومه . ثمة علامة استفهام معلقة بمحيطها على خاصرة من خشب…  أين هو؟
خرجت أشتري كتاباً ذات يوم قرأت له إعلان في (الفيس بوك) إلا بيد خشنة ثقيلة ضربت كتفي الأيمن، استدرت خلفي، لا يوجد سواء زبونة واحدة لا أعرفها..  اعتلاني القلق، نظرت بعيدا عن المكتبة .. لوّح بيده .. دفعت كلفة الكتاب وذهبت مسرعا وراءه. 
-تعال في المرسم.

                     3

دخلنا في بيته الذي يقع في نهاية زقاق، بعد رؤية ظلام دامس، فرحت عيناي بالنور، ريثما فتح الباب، اقتحمت وجهي لوحة، بدت لي .. نجوم..غبار.. قطيع ما داخل نعش فارغ.
-أشار لها قائلا:
ذات يوم أحترق ونثر رماد الجثمان في مكان غير معلوم.
ترتشف عيناي الألوان الحية من أبعاد الرسومات، تنبثق الرموز معنى في عقلي ، أفسر عيشي مع مجتمع دون إنسان، يطوق رأسي الدوار، ساد الصمت بيننا، مد يده أمام اللوحة ، تراءى لي كطير حر، تماسكت يده مع يد خفية ، قال بنبرة مهتزة بددت سكون المشهد: 
إذا ضاق بك الكون .. استنشق رائحة الحقيقية
.………………
مالكوم غلادويل: كاتب وصحفي انكليزي-كندي

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق