لبنى الهراس تكتب: هل الذكاء فقط ما هو رياضي


في كل مرة أحرر فيها ذكرياتي من معاقلها، أتذكر الغباء الماتيماتيكي الذي رافقني في حياتي الدراسية خاصة في المستوى الإعدادي.
أتذكر أول مرة حصلت فيها على الصفر لأنني فقط كرهت الرياضيات بمجاهيلها ومعادلاتهاومتتالياتها ونظمها ومتراجحاتها..
نعم مقت الرياضيات سواء بجبرها وهندستها، لم أر فيها نفسي البتة.. كنت أتلافى قدر الإمكان حضور الحصص المملة،حيث التعامل مع المجهول.. بل دأب بي الأمر لأكره مدرسة المادة.. أتذكر أنني كنت غالبا ما أقبع في المقعد الأخير للحجرة وأشرع في الرسم.. لا أعلم ما أرسم أهو فن تجريدي؟ أم صوري أم عفوي..؟
المهم كنت أرسم وأنتظر بأناة إسهاب مقرعة الجرس لتعلن عن نهاية الحصة بمللها وكللها حيث التعامل فقط مع "الإكس".. لا تعبير.. لا إبداع لغوي.. لا رونق في اللغة...
نعم! أتذكر أنني كنت غالبا ما ألبد في فراشي وأتكوم تحت الغطاء صباحا فقط لكي لا أحضر الحصة.. نعم ولو تطلعت بي أمي بإمتعاض وحنق آمرة لي بالذهاب، كنت أقدم أوهى الذرائع لستشيط هي غضبا.. سامحني الله !.. ولو حدث واذعنت لأمرها، كنت دائما ما أتلكأ في طريقي، وأخطو على مضض آملة أن تمضي بضع دقائق على الحصة..
كنا قد حصلنا على الصفر أنا وصديقتي حين أعدنا ورقة التحرير بيضاء.. ربما تلك الصفحة البيضاء تعكس بياض عقولنا كما حدثنا "جون_لوك".. أتذكر كم جثونا على ركبتينا من الضحك حينها لما استطردت الأستاذة قائلة " حصلتما على الصفر يا ذكيات"... أتذكر تلك التكشيرة المنذرة وذاك الامتعاض الذي لاح على وجهي أمي.. أه! كم تفرست في وجهها حينها وكلي حسرة وحزن لما أدركت هول الأمر.. لكن مع ذلك ندت عن وجهي ضحكة لم أستطع إخفائها.. ظننت أني جنيت على نفسي براقش وتوقعت ركلة تهوي بردفي أو مسك بخناقي.. لكن لم يحصل !.. أتذكر كم لامتني أمي حينها وأردفت قائلة" أحشفا وسوء كيل!".. ليعتليني حزن بالغ حينها وأقرر التغيير وأحصل على معدل ﻻبأس به عسى تلين وتتطلق أساريرها من جديد.. السؤال المطروح: هل حصولي على معدل "الصفر" آنذاك دليل على غبائي حقا؟؟ الجواب: أكيد لا ﻷنني كنت ذكية في مواد أخرى خاصة الأدبية منها.. لطالما امتلكت ذكاءا لغويا.. كنت دائما متفوقة وأحصل على معدلات مرتفعة في اللغات..خاصة العربية.. كنت ولازلت أجيد التعبير بهذه اللغة الغنية وأحاول التمكن منها صرفا ونحوا وتركيبا.. كنت ولازلت ألوذ وأهرع إلى المعاجم ﻷتمكن من أصعب المفردات والدلالات وحين ألمس شحا في اللغة.. أحاول التمكن من بعض المفردات لعلني أستعملها في كتاباتي الإنشائية.. حباني الله بذاكرة قوية لحفظ الشعر وأصعب المفردات العربية.. كنت ولازالت أملك إبداعا لغويا يروق العديد.. لتستمر رحلتي اللغوية مع لغة أخرى أجنبية.. هذه المرة: اللغة الإنجليزية حين تمكنت من اكتساب أههم أبجديات هذه اللغة لوحدي ﻷثير حفيظة والدي وأدهشهم.. نعم! نجحت في تعلم اللغة الانجليزية لوحدي وبطرق جد جد تقليدية حتى معيني الوحيد "مدرسة اللغة الأمريكية" ارتدت عليها فقط شهورا معدودة... الآن أشرع في تعلم لغة جديدة شرقية "اللغة التركية" فقط من أجل المتعة لا غير ﻷنني أرى نفسي قادرة على تعلم لغات أخرى جديدة.. فلطالما استطعت إدراك أن هناك امتداد وعلاقة متينة بين اللغات خاصة تلك التي تنحذر من نفس العائلة كما تداول اللسانيون.. إذن، أنا أملك ذكاءا آخر يتمثل في الذكاء اللغوي.. وبالتالي، فما يمكن استخلاصه هو أن الذكاء لا يتجلى فقط فيما هو رياضي ومنطقي.. بل الذكاء أنواع كما أكدت نظرية "الذكاءات المتعددة" للأمريكي "هوارد غاردنر" في ثمانينات القرن الماضي حين نحت هذا المفهوم ليتبين أن ليس هناك فقط تصور أحادي للذكاء... وهذا الأخير يمكن أن يكون رياضي_منطقي يعتمد على التجريد وذكاء حسي حركي حيث ضبط الجسم وتوجيهه نحو أهداف معينة وهناك ذكاء موسيقي وآخر طبيعي وفضائي ووجودي وهناك ذكاء ذاتي وبينفردي... لهذا، فإن لم تكن ذكيا في تخصص ما.. فابشر فأنت ذكي في مجالات أخرى.. ببساطة ﻷن الذكاء ليس بمفهوم أحادي صرف... وليس هناك شخص غبي أو كسول أو أبله مقابل آخر عبقري ونابغة.. ﻷن كل واحد وذكاؤه الخاص.. الذكاء أنواع... لكن إن اتفقنا على تعريف واحد له.. يمكن أن نردف قائلين أن الذكاء هو القدرة على حل بعض المشكلات والتكيف معها ضمن نسق ثقافي معين..

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق