أسامة الخراط يكتب: علاج الإجرام بالحب


خلاصة الخلاصة في علم النفس والتنمية الذاتية. 
الانسان خليفة للمولى خلقه وسخر له الأرض حتى يتحرك فيها ويعمل ويبدع، ولم يضع له حدودا لإنجازاته، وركز معي لا حدود ... يعني ممكن تصعد للفضاء بطائرة سرعتها خمس أضعاف سرعة الصوت، وممكن تبني أهرامات وناطحات سحاب، وممكن تخترع كبسولة وزنها 5 غرام تشفي من مرض مميت، وممكن تخترع علبة بحجم صندوق وتضعها في الشمس لتعطي كهرباء مدى الحياة .. وممكن تفجر واحد كيلو من اليورانيوم وتفني به مدينة كاملة، هذا حصل وأصبح معروفا، ولكن العلماء يقولون أن هذه مجرد بداية للتطور البشري والآفاق القادمة أكبر بكثير مما يمكن تخيله. 
ولكن أين الخلل الذي يُصيب مليارات البشر اليوم ويمنعهم من التحرك الفعال، وإنجاز أهدافهم بكل إصرار وبدون كلل؟ 
وبنفس الوقت كيف يمكن منع ملايين آخرين عن التخريب والإجرام وإتلاف أجسادهم وإحداث ضرر للآخرين وللطبيعة من حولهم وهم في طريق سعيهم لتحقيق أهدافهم ؟ 
هذا هو السؤال والتوازن الذي يُحاول علم النفس والتنمية الذاتية والفلسفة وكل الأديان الإجابة عليه. 
وحتى نتكلم بصورة علمية (مستعينين بعلم النفس الفسيولوجي)، سأشرح لك بالضبط كيف يتحرك جسد الإنسان ويستمد طاقته، وهذا سمعت شرحه بشكل رائع واستثنائي من طبيب نفسي كندي اسمه: غابور ميت (Dr.Gabor Maté) يقول التالي:
الانسان يولد وجسده وعقله قادر على إنجاز أي مهمة، ولكنه يحتاج وقودا يوميا، وهو عبارة عن إفراز هرمونات وزنها (مل كيلوغرامات) فقط ولكنها هي السبب في أن تُشعره بالسعادة والطاقة والانطلاق، هذه الهرمونات ضرورية جدا للحياة وهي تُفرز كل يوم صباحا في الدم، وتكفيك كوقود لتعمل طوال اليوم بكل همة ونشاط وحيوية وإبداع، ثم تستهلك في الجسد وساعتها أنت تحتاج للنوم حتى تستيقظ صباح اليوم التالي ويفرز جسدك الحصة الجديدة، ولو كنت تريد مثالا حيا لشخص يملك إفرازات سليمة لهذه الهرمونات فانظر للأطفال الأصحاء السعداء، فستراهم في حركة وتعلم ومراقبة لكل ما حولهم طوال اليوم، لأن هذه الهرمونات تفرز بشكل صحيح، لدرجة أن أكثر كلمة يقولها الناس للطفل مستنكرين: (أنت لا تَتَعب !!! ).
وبما أن هذه الهرمونات هي مفتاح أساسي ومؤشر لفهم طبيعة حركة الجسد، يجب أن نعرف كيف يحدث فيها الخلل وكيف ترتبط بشكل كامل مع تفكير الإنسان وعقله، 
لاحظ العلماء أن هذه الهرمونات يقل مفعولها وتأثيرها على الجسد بشكل متدرج ومتناسب في الشدة، مع ما يتعرض له الطفل من عنف جسدي، وإيذاء لفظي، واضطهاد معنوي، فهي تُفرز بالدم ولكن يأتي ما يبطل مفعولها ويبددها، فتبدأ هذه الغدد المسؤولة عن إفرازها بالتكاسل، وكأنها عضلة تعمل بكامل طاقتها لذلك يأتي وقت وتتعب وتبدأ بالضمور تدريجيا، تماما كما يحصل مع مرضى السكري، فالأنسولين يتم افرازه بالدم ليتعامل مع السكريات الداخلة للدم ويحولها لشيء مفيد، ولكن لو كنت تأكل كمية سكريات هائلة واستمر هذا على مدى شهور وسنوات طويلة، سيبدأ الكبد يتعب تدريجا ولا يستطيع تلبية حاجتك من الأنسولين وتصبح بحاجة لحقن أنسولين خارجي تضخها في دمك عبر حقن مصنعة، نفس الأمر يتم تماما مع هرمونات السعادة لو كان هناك أمور تبطل مفعولها سيأتي وقت وتحتاج حقن خارجية منها حتى تستمر حياتك طبيعية. 
ولاحظ العلماء أن هرمونات السعادة تبقى نشيطة وفعالة، في حال كان الطفل يتلقى مشاعر الحب الصادق ممن حوله، والحب له مئات الأشكال والتعبيرات منها مثلا: الكلام الجميل، والابتسامة الصادقة، والاهتمام الحقيقي، والمشاركة، والإعانة، والتشجيع، والعفو، والتقبل، وغيرها الكثير جدا، فهذه المشاعر الجميلة لا يمكن تزويرها ولا تتم إلا من شخص محب صادق بحبه، ويستحيل على من يكره أن يقوم بأي فعل منها، لذلك يُتوقع من الأم والأب والأخوة أو من يقوم مقامهم، أن يكونوا هم مصدر الحب والرعاية للطفل حتى ينشأ سليم الجسد والعقل يفرز جسده هرمونات السعادة بشكل منتظم، ويمارس حياته بشكل مثالي فيتعلم وينجح ويبدع ويتقدم للأمام في كل مجالات حياته. 
ولكن السؤال هو هل يمكن للإنسان أن يعيش حياة طبيعة لو فقد الحب من الأشخاص والمجتمع من حوله؟ والجواب يتوقف على طريقة تفكير هذا الإنسان فقد ثبت علميا أن الجسد يفرز هرمونات السعادة ويحتفظ بها ويستفيد منها لو تخيل الشخص بشكل عقلي وواعي وعميق، أنه يعيش في سعادة، وسيصدق جسده هذا الخيال ويُخدع ويقوم بإفراز الهرومونات بشكل طبيعي وقد أجريت تجربة على مساجين لإثبات هذه النظيرة: 
فقد كانوا هم واقعيا في السجن والصعوبات الجمة تحيط بحياتهم يوميا، ولكنهم بعد تدريب معين نجحوا عقليا وعن طريق التخيل أن يشعروا وكأنهم يعيشون في مكان جميل خارج السجن مع من يحبونهم، وجرى ساعتها قياس هرمونات السعادة في جسدهم فتبين أنها تفرز بشكل طبيعي تماما، لذلك هناك قاعدة في علم النفس: الجسد لا يُفرِّق بين الحقيقة والخيال،  فما دام العقل استطاع تخيل شعور معين فالجسد سيفرز الهرمونات المصاحبة له، 
وأجريت نفس التجربة ولكن بشكل معاكس على مساجين آخرين فتم إيهامهم، أنهم سيتم إعدامهم من خلال استنشاق الغاز السام، وتركوا في غرفة هواؤها سليم تماما، ولكن خلال ساعات أجسادهم توقفت عن العمل تماما وماتوا اختناقا، لأن عقلهم صدَّق تلك الخدعة وأفرز الهرمونات قاتلة تكون عادة مصاحبة للخوف القاتل الذي يسببه نقص الاكسجين. 
ولكن الطريقة الطبيعية لإفراز هرمونات السعادة في الجسد، فهو أن يفرزها الجسد بشكل طبيعي ويعززها المجتمع حول الطفل أو الشخص ولا يُهدرها، من خلال إشعاره بمشاعر الحب الصادقة التي يرى أثرها في كل مناحي حياته، مما يساعده على إفراز الهرمونات بشكل طبيعي في دمه، ويعيش حياته بكل همة ونشاط، وحتى يصبح جسده مقاوم شرس ضد الأمراض، وقد ثبت علميا هذا من خلال مراقبة حياة مئات الناس خلال أربعين سنة، وإجراء فحوص طبية دورية عليهم، ورأوا أن من يعيشون في وسط عائلة محبة حنونة مسامحة متقبلة له يكون جسده أقوى وأكثر سعادة ونشاطا ونجاحا وأقوى مناعة تجاه مختلف الأمراض وعوارض الشيخوخة. 
وحتى نعود لنشرح نظرية علاج الإجرام بالحب يجب أن نشرح كيف يبدأ تكوين الفاشلين والمجرمين في أي مجتمع، فكما ذكرنا عند تعرض الإنسان للاضطهاد من طفولته يبدأ أثر قلة إفراز هرمونات السعادة يتراكم عليه عبر السنوات، ويتجسد في الواقع بقلة الحركة والنشاط والعمل والمبادرات والانطلاق والسعادة، وهذا له تأثير كبير على نوعية حياة الإنسان في بقية حياته، لأن قلة العمل والحركة يكون من آثارها قلة التجارب واليأس والتعب السريع من أي محاولة أو مشروع يدخل به، 
وتصورا معي لو أن الطفل الصغير عندما يبدأ تعلم الكلام تعب بعد فترة بسيطة من المحاولة والكلام كيف سيكون مستقبله ؟ ولكنه مع ضعف إمكانياته العقلية والخبرات لا يتوقف عن المحاولة وهذا لأنه يملك الجسد والهرمونات الصحيحة، لذلك هو يوميا يملك طاقة كبيرة للتعلم والمحاولة والوقوع آلاف المرات في الخطأ بدون كلل، وخلال ثلاث أو أربع سنوات يتكلم أي لغة في الدنيا، ولو كانت تحتوي على آلاف المفردات أو الحروف، نفس المثال قسه على شخص بالغ لو كان ما يزال يملك نفس هذه الطاقة والحماس، هل يمكن لأي هدف في الدنيا أن يقف أمامه؟
فتعرض الأطفال للتعنيف والحرمان من الحب بكل أشكاله يؤدي بهم لفقدان تدريجي للطاقة والحماس اللازم للتعلم والإبداع والإنجاز وغالبا ما تتم هذه الجريمة خلال 7 أو 10 سنوات الأولى من عمر البنت والصبي، إنه من المهم جدا إدراك حقيقة أن الإنجازات الكبيرة في حياة البشر هي نتاج عملية تراكمية تتم عبر سنوات من العمل والحركة المستمرة، وهذا ما يُفسر لنا لماذا لا يصل ملايين البشر لأهدافهم في الحياة، رغم أنهم يملكون غالبا أحلاما وآمالا كبيرة، والحقيقة أنهم يفشلون لأنهم لم يعودوا يملكون الطاقة الكافية التي توصلهم لها، بسبب فقد الطاقة في عقولهم وأجسادهم الناتج عن فقدان الحب والتفكير السلبي والخوف وفقد الإحساس بالتعاطف والتشجيع (لو لم يعوضوا ذلك ذاتيا)، وبالتالي سينعكس هذا على أجسادهم والإفرازات الهرمونية التي يتم إهدارها يوميا 
ولم يثبت علميا أن هناك أي سبب آخر يمنع الإنسان من تحقيق أهدافه، كما تروج لذلك بعض الثقافات الخاطئة أن السبب هو: القدر أو الحظ أو النصيب أو الجنس (ذكر أو انثى) أو الجنسية أو اللون أو الشكل، أو أي من المبررات التي يَضحك الناس بها على أنفسهم لتبرير عدم وصولهم لأهدافهم. 
وهرمونات السعادة والانطلاق أساسية جدا للبشر ولذلك وبسبب إرادة الحياة القوية عندهم، يحاول الشخص من طفولته وبكل الوسائل المتاحة له، الهروب من تبعات عدم الشعور بالحب، والتخلص من آلام الاضطهاد الممارس ضده بكل أساليبه، وعندما يعجز عقليا أو جسديا عن صده بسبب ضعفه وقلة حيلته، يقوم كحل أخير بفعل خطير جدا جدا، وهو إغلاق نظام المشاعر عنده تدريجيا، فيبدأ تتبلد أحاسيسه تجاه كل شيء، وحتى تجاه ما يمارس ضده من اضطهاد فيستسلم له وتنكسر إرادته، ولهذا آثار كارثية عليه فهو لن يعود شخص طبيعا ولن يكون هناك ما يسعده ولا يحزنه بشكل عميق، ولا يتعاطف مع نفسه، أو أي إنسان آخر فيشعر بمشاعره، ولا يعود هناك ما يشعره بالحماسة أو الاندفاع لأي هدف أو مشروع
والطفل يفعل هذا مضطرا كعملية وقائية نفسية، حتى يُجنِّب نفسه مزيدا من الألم الهائل الذي يشعر به بسبب غياب أثر إفراز هرمونات السعادة والانطلاق في جسده، وما يعانيه من ألم الاضطهاد النفسي الذي يمارس ضده، وهذا الألم له درجات متدرجة في الشدة ويختلف تأثيرها في كل إنسان حسب ما يمارس ضده من أفعال وتقاس من: ( 1 إلى 100 ) درجة على حسب مستوى الشدة والأثر، 
وهناك بعض الدول قد انتبهت لهذه الكارثة وسنت قوانين تحمي الطفل وتفرض عقوبات رادعة على المسؤولين عن تربية هذا الطفل لو اضطهدوه، ولو استمرت الإساءات له يمكن فصل الطفل عن الأب والأم لو كانوا هم من يقومون بهذه الأفعال، لأن هذا الطفل المضطهد لو ترك لهذه الحياة البائسة ستكون نهايته كفرد مريض نفسي غير فاعل في المجتمع، ولو كانت درجات الاضطهاد عالية فمن الممكن أن يكون مجرما يقوم بتخريب المجتمع وإيذاء أفراده مستقبلا عندما يملك القوة والأدوات. 
ومن نتائج اضطهاد الأطفال وحرمانهم من الحب والألم الذي يعيشون فيه، أن يصبح هذا الطفل أقل حركة وأقل إبداعا، وأقل حبا وشغفا للتجربة والخطأ، ولذلك هو لا يتعلم بسرعة، أو يصبح مثل آلة تسجيل لحفظ المعلومات بدون أن تنعكس على حياته العملية بأي فائدة أو تحويلها لشيء نافع، فلو تَعلَّم وحفظ غيبا مثلا: قوانين فيزياء الحركة والطيران، ولكنه سيكون عاجزا عن تصميم طائرة ولو ورقية تطير حسب هذه القوانين، والتي يحفظها فقط حتى يهرب من مزيد من الألم الذي يُسببه له من حوله لو أهمل في حفظها، لأنهم سيقولون عنه أنه فاشل وكسول وغبي. 
خلقنا الله بخلقة تامة ، ووضع في هذا الجسد إمكانيات هائلة تمكنه من الحياة بصحة وعافية وانطلاق، ورغم ما يصيب الطفل والشخص من أضرار بسبب الاضطهاد والعنف وحرمانه من الحب يبدأ جسده بالتكيف قدر الإمكان مع هذه الإفرازات المهدرة لهرمونات السعادة والحركة والانطلاق ويعيش حياته بحده الأدنى من السعادة، ولكن مع تقدم الحياة يظل الجسد يقاوم ولا يستسلم بحثا عن السعادة والحب، ويكون همه دائما وفي كل أفعاله البحث عن أي سبب يُحفز فيه إفراز هرمونات السعادة والانطلاق، لأن الإنسان يدرك أنها مهمة جدا جدا له، فهي كأكسير الحياة ووصولها لمستويات حرجة في الجسم، سيبدأ الانسان يدخل في دورات اكتئاب حاد وإحساس بظلمة داخليه، وإحساس بالقهر والمظلومية، (من المؤشرات على ذلك في آخر عشرين سنة مثلا انتشار دواء اسمه بروزاك Prozac كمضاد للاكتئاب ويعوض افرازات الهرمونات بشكل صناعي، وبيع منه بمليارات الدولارات للناس حول العالم وغيره العشرات) وفي حالات شديدة من نقص مستويات هرمونات السعادة أن يؤدي هذا للانتحار البطيء أو السريع جراء ما يُحس به المصاب من ألم، وقد يؤدي به ليكون نزيلا دائما  في مشفى الأمراض النفسية، أو يصبح الشخص كما هو حال ملايين البشر منزويا خائفا من الحياة يمشي على أطرافها ويتجنب أي مبادرة أو مغامرة فيها، بالتالي يعيش حياة رتيبة مملة لا جديد فيها، ويبدأ ينسلخ من إنسانيته وفاعليته فيصبح هو والحائط الذي يستند عليه سواء. 
وكثير من الناس يرفض الوصول لهذه المرحلة ويبدأ يقاوم بكل ما فيه ويخترع أسبابا لبقائه نشيطا منطلقا محفزا لشيء ما، فيبدأ يبحث عن طريقة بديلة لإفراز هذه الهرمونات بأي طريقة متاحة له وموجودة في محيطه، يقول الدكتور غابور: هنا يبدأ أول مراحل الإدمان كطريقة بديلة لإفراز هرمونات السعادة، ولكن السؤال هنا ما هي الأمور التي يمكن أن يتورط ويدمن عليها البشر؟ 
والجواب هو أغرب ما ستسمع: الإنسان يمكن أن يدمن على أي شيء يؤدي به لإفراز هذه الهرمونات في جسده، أي شيء متوفر حوله وهو قادر على الوصول إليه، يعني لو اكتشف مثلا أن ما يُسعده ولو لحظيا: الأكل أو الجنس أو التسوق أو السرقة أو المخاطرة أو القمار أو التدخين أو الكذب أو الغيبة أو الإيذاء أو التعذيب أو القتل أو السلطة أو التحكم بالبشر أو العمل المتواصل أو جمع المال أو العادة السرية أو الألعاب الإلكترونية أو المسكرات أو التدخين أو المخدرات ومئات الإدمانات الأخرى التي لا يمكن إحصاؤها،
والتي قد تكون بالأصل أفعالا طبيعية أو أخطاء عادية، ولكن الإنسان الباحث عن أي محفز يُسرف في استهلاكها ويخرج عن توازنه العقلي والأخلاقي ليُحولها كطريقة وحيدة ويومية لجلب السعادة والبهجة لحياته
وأريد أن أصور لكم ما يحصل في الجسد حينئذ فكأنه يخاطب صاحبه ويقول له: أرجوك ارحمني وأعطني مزيدا من هذه الإدمانات، فهي تساعدني على إفراز هرمونات السعادة والانطلاق، فأشعر كأنني محبوب وسعيد ومستقر وقوي، وأرجوك مهما كانت التكلفة فأنا مستعد لها، وبغض النظر عن أي عوارض جانبية علي أو على من حولي، 
ويبدأ الشخص يزيد في الجرعات حتى يستمر جسده في إفراز الهرمونات بشكل غير طبيعي، وجسدك يدمن معك لأنه يُدرك أنه لا قيمة لكل الحياة بدون هرمونات السعادة والانطلاق، ولكن المصيبة أنه يستمدها من مصدر خاطئ، أو بجرعات غير متوازنة، تدمره بشكل متدرج، مع تبعات هائلة الضرر من جراء هذا الإدمان. 
ويدخل الإنسان في  دائرة جهنمية مهلكة تؤدي لعطب جسده وروحه شيئا فشيئا، ولكل نوع إدمان آثار مختلفة على الصحة والعقل والروح والمجتمع، وقد يصل الشخص في إدمانه ليرتكب جرائم تجاه من حوله والمجتمع، ولو انتشر وباء الإدمان بمختلف أشكاله في مجتمع ما، فسيبدأ يتفسخ ويُفسد حتى الأرض والطبيعة
ولنضرب مثالا مشهورا وهو الإدمان على جمع المال وشعور السلطة والهيمنة، فمن نتائجه: أن يقوم الشخص بأفعال مدمرة لتوسيع سلطته وزيادة نفوذه وأمواله، قد تصل إلى: السرقة والنصب والقتل والتعذيب والكذب وتجارة المخدرات والممنوعات والاستعباد والابتزاز، ويبرر ذلك بأنه لنصرة وفائدة الدين أو القومية أو الوطنية أو الطائفية أو حتى الإنسانية والتطور  لأن ما يحكم العالم برأيه هو قانون البقاء للأقوى. 
وهذا النوع من الإدمان بدأ يطغى حتى على الطبيعة فانتشر إتلاف الغابات وقطع أشجارها بتعسف شديد بغرض الكسب المالي مع أنها مصدر الهواء وبدونها نبدأ نختنق، وتلوثت البحار بالنفايات البشر والبترول، وبقتل أسماكها  بطرق وحشية وكميات هائلة لكسب المال، وحتى بدأ الإنسان كما في المئة سنة الأخيرة بدخول حروب استعملت فيها الاسلحة الكيماوية والنووية فقط لحب التوسع والتملك والسيطرة
والإدمان يجعل الشخص يستسهل كل رزيلة مثل: القتل والاستغلال والاستعباد حتى يُرضي نفسه (ويشعر بالنشوة اللحظية) وبدون أي إحساس بالرحمة أو الشفقة التي فقد كل معانيها وإحساساتها من زمن بعيد عندما تبلدت مشاعره كما ذكرنا سابقا عندما فقد التعاطف والحب والإحساس بالآخرين كردة فعل على ما جرى تجاهه من اضطهاد وألم، فهو يرد الصاع صاعين للمجتمع، وكل إناء بما فيه ينضح. 
ولا أريد أن أضرب لكم أمثلة من واقعنا الحالي على معاناة شعوب وأمم وخصوصا أمتنا العربية والإسلامية فهي أكثر وأوضح مما يمكن شرحه أو إخفاؤه، ولكني سأضرب مثالا واحدا كان صادما جدا: فهل يعرف أكثرنا أن إدمان البشر على مادة السكر واستهلاكه وسعره المتزايد عالميا بشكل متصاعد في القرنين السابقين، أغرى البشر أن يأسروا ويعذبوا ويقتلوا ملايين العمال السود من أفريقيا، لينقلوهم عبر البحار ويُسخروهم في العمل ليل نهار في زراعة وإنتاج السكر، 
وحتى اليوم تعاني المجتمعات التي قامت بهذا الفعل الإجرامي من تبعات هذا الفعل، فأحفاد هؤلاء الأفارقة مازالوا يعيشون في الاضطهاد ويمارسون العنف كردة فعل عليه (أعلى نسبة جرائم ومساجين في أمريكا مثلا هم من السود، وينطبق الأمر على أغلب السكان الأصليين لكثير من البلاد ممن مورس ضدهم الاضطهاد من محتل خارجي أو من مستبد داخلي) فالاضطهاد والتمييز الواسع الممارس ضدهم عبر أجيال، لا يمكن أن تتخلص منه الحكومات بمزيد من العنف والسجون لهؤلاء المضطهدين، بينما العلاج شيء مختلف تماما وهو #علاج_الإجرام_بالحب. 
 الآن بعد كل هذا الشرح هل أنا في حاجة أن أقول لكم ما هو سبب الظلم والجرائم والتطرف والقتل والإفساد المنتشر في العالم؟؟ إنه غياب الحب 
 إن كل من يقوم بأي فعل عنفي هو بالحقيقة قد فقد جزءا مهما من إنسانيته وإحساسه بنفسه واستقراره بسبب ما تلقاه من تربية واضطهاد سببت اختلالا في جهازه الهرموني وأحدث أضرارا كبيرة في نفسيته، ولو نظرنا لأبشع طريقة في العنف وهي تفجير الشخص نفسه في وسط الناس الأبرياء، واستخدام نصوص دينية أو وعود أخروية كسبب لذلك، تأكدوا أن هذه النصوص والفكر هي مجرد تبرير له، بينما هو مستحيل أساسا يقتنع بها لو كان سليما عقليا وروحيا وجسديا، ولم يتم إهانته في طفولته ونشأته حتى وصل لمرحلة إجباره على إغلاق نظام المشاعر ووصل لمرحلة التبلد، ساعتها قد يُقدم على مثل هذا الفعل القاسي جدا مثل تفجير نفسه والآخرين، أو الدخول في مدرسة وجامعة وقتل كل من صادفه كما حدث مئات المرات في العالم، 
 فالإنسان السليم لا يمكنه أساسا التفكير بهكذا تصرفات ولا تخطر على باله لأنه سعيد مستقر، ومرة أخرى هذا الكلام ليس نظريا بل هو تجارب عملية تمت فعلا، يقول الدكتور غابور: إن علاج كل هذه الظواهر الخاطئة في المجتمع والإدمان الذي يعاني منه هؤلاء البشر، يحتاج كثيرا من الجهد والوقت والوعي لشفائهم وإرجاعهم للحالة الطبيعية من إفرازات الهرمونات، من خلال إعطاء الانسان ما حُرم منه وهو: الحب بكافة أشكاله. 
 والحب له آلاف الأشكال والمظاهر أهمها: الاهتمام والتعاطف والعفو والصفح والكلام المشجع الجميل والتشارك في الموارد والخيرات بين الناس، وأن نتشارك سويا كعائلات ومجتمعات هذه المشاعر الجميلة من التشجيع والحب والمساعدة والابتسامة، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنه ملئ الفراغ الذي في قلوبنا وأروحنا، ويضعنا على سكة التشافي الروحي والجسدي. 
 وليس الحل أبدا ما تتبعه كثير من الحكومات والدول والأفراد اليوم من معاقبة وسجن هؤلاء الناس المدمنين على مختلف أنواع الإدمانات وخصوصا العنف والقسوة والإرهاب، فهو حل قاصر إلا في حدود سجنهم مؤقتا لمنعهم من فعل المزيد من الجرائم، وكعملية وقائية مؤقتة للمجتمع لحماية نفسه، ولكن الهدف النهائي ليس إهانتهم وتعذيبهم وتحقيرهم أكثر، بل السجن هو مرحلة لإدخالهم في فترة تشافي لهم، تخلصهم من المشاكل التي يعانون منها نفسيا، ولإرجاع أجسادهم للحالة الطبيعة من إفراز هرمونات السعادة. 
 ويقول الدكتور غابور: إن تعنيفهم أكثر وتحقيرهم واضطهادهم، لن يحل المشكلة بل سيسبب مزيدا من الانحراف بداخلهم والعنف تجاه المجتمع وإيجاد تبريرات أكثر لما سيفعلونه كل حسب خلفيته الفكرية، وندخل في دورة هائلة من التداعيات والخسائر لكل المجتمع والبشرية، وبناء سجون أكبر وأكبر، وأجهزة مراقبة وأمن وتحري أكبر وأكبر، وسيفشل هذا الأمر بالنهاية، وستضيع كل الموارد المخصصة له، لأنه يستحيل أن تقاوم العنف بالعنف والقسوة بالقسوة، بل يحتاج الأمر استراتيجية متكاملة صادقة تسعى لخير كل الناس مريضهم وسليمهم. 
 وعلى الصعيد الاجتماعي ماذا يجب علينا أن نفعل نحن الأفراد العاديون ؟؟ يجب علينا المساهمة في حل المسألة من الجذر، والموضوع الأول هو الحرص على حماية الطفل من أول حياته، وأول خطوة أن لا يتزوج أناس مضطهدون من نساء مضطهدات، لأنهم في أغلب الحالات سينجبون أطفالا ويجعلونهم مضطهدين مثلهم، وتستمر الدورة المشؤومة وتتوسع، بالتالي يجب أن نكسر هذه الدائرة وننشر الوعي من البداية بضرورة اعتماد ثقافة الحب كعلاج، ونبدأ به في أسرنا ومحيطنا بالتدريج، وكفرض وواجب نقوم به لإنقاذ البشرية مما تعانيه من المآسي، ودليل صدقنا هو تخصيص ميزانيات ووقت وجهد لتطبيق هذه الاستراتيجية، ولتأخذ وقتها لتثمر بعد عشر أو عشرين سنة لا مشكلة، ولكن النتائج ستمتد لمئات السنين. 
 ونظرية علاج الإجرام بالحب أثبتها الدكتور غابور عمليا، فقد قام بتجربة نظريته في سجون عدد من الدول الأوربية (بعد أن عرض هذا العلاج على عدة دول أخرى ورفضوا نظريته وتمويل تنفيذها وحتى سخروا منها أيضا)، ولكنه لم يستسلم، وطبقها على مجرمين عتاة قد وصلوا لأعلى حالات الإدمان على العنف والسرقة والمخدرات والإيذاء للناس (حتى يُثبت أن هذا ممكن وناجح مع كل البشر العاديين صغارا وكبارا)، وتم معاملة هؤلاء المجرمين على مدى شهور بكل حب واهتمام وود وعون وتفهم، وكل سجين ساعدوه على ممارسة هواية يحبها، وخلق صداقات جديدة مع أناس محترمين جدا، والبدأ بمشاريع عمل ودراسة، وجلسات يومية من المصارحة والمحادثة والضحك واللعب. 
 وكانت النتيجة مذهلة تماما وبكل المعايير، لقد تحول عتاة المجرمين هؤلاء لأناس بمنتهى اللطف والحب والطيبة، وأصبحوا أفرادا نافعين في المجتمع بعد أن خرجوا من السجن، ونسبة من انتكس منهم قليلة جدا، وأثبت هذا العلاج أنه أفضل ما هو موجود في كل العالم على مستوى نسب التشافي وعدم الانتكاس. 
 إنه العلاج بالحب ... ذلك العلاج الذي لا يمكن أن يُصدِّق بوجوده ويتحمل تكلفته تطبيقه، من هو أعمى القلب ومن ملأ روحه بالكره والحقد والانتقام، 
 فهو علاج الأنبياء والعلماء والعارفين، لخصه سيدنا محمد بسطر واحد فقال: صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه. 
 فهل تحب لنفسك الحب والحنان والعطف والتفهم والتسامح والعون والعفو والصفح والتشجيع وأعذب الكلمات والنظرات واللمسات ؟ إذن أحبها لأختك وأخيك وأعطها لهم، فستشفيه ويشفيك، وتُؤمن حقا ويُؤمن صدقا. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق