ليلى إسلام تكتب: صابرة


وكزه بمرفقه مشيرا الى مكان، فقال :
- انظر يا متقي، جارية العرب هناك
نظر متقي حيث اشار صاحبه فبدت له جالسة كالعادة مكانها متلحفة وسط عباءة رثة و اسدال انسدل من فوق راسها الى وسط حزامها و اما رجليها فقد اختفتا حياءا من ناظر عابر لهما.
ربت متقي على كتف صديقه و ودعه ثم توجه نحوها..
كانت جالسة القرفصاء تنظر بزاوية لا تسقط عنها ناظرها و قد بدى وجهها المدور موردا اثر حرارة الشمس الحارقة.. تقدم فجلس بجانبها و لم تبدي ردا على جلوسه و لم توشح بنظرها عن حيث التصقتا .. مر زمن يسير على جلوسه فما لبث ان استيقظ الفضول بداخله ففتح ثغره قائلًا:
- مرحبا!
(صمت)
- هممم، مرحبا..
كان الصمت الرد الذي تلقاه فكلما نطق ترحيبا بادلته صمتا رهيبا حتى كل و مل و ظن ان لا حيلة من سل لسانها و سماع كلامها و هم بالنهوض الى سبيله فاستوقفته كلمة منها:
- و عليكم المرحبا
عاد ادراجه و قد انطلقت اساريره فها هو قد نال مبتغاه و جعل التمثال القابع امامه يتكلم و يسمع لغاه.
سالها قائلا: 
- الى ما تنظرين يا صغيرة؟!
و مرة اخرى زاره الصمت، غير انه لم يياس كسابق عهده و قرر الوصل في محاولاته فكرر السؤال مرات و مرات حتى ظنها بكماء، فنطقت:
- اني لاخذة عمره و ليس ذلك علي ببعيد 
عظم عليه ما نزل بسمعه فنظر مليا حيث تسمرت مقلتاها فبدى له رجل طاعن في السن يجلس جلسة المغشي عليه ما كان قد لاحظه قبل الان ثم حول بصره نحوها و قال:
- من تقصدين؟
صمتت قليلا ثم دارت بوجهها الممتلئ نحوه، فبدت له عيناها الغائرتين فما كان يبدو منهما سوى بياضهما المخضوض بسواد بؤبؤها فاما شفتيها فكانتا مرسومتان رسما جميلا بينما انفها كان دقيقا حادا ذو انفة.. تفرس في ملامحها مستغربا من تشكيلة وجهها الى ان قاطعه صوتها قائلا :
- مالي يا متقي اراك كثير الفضول و مالك تنتهك حرمتي و تاتي الى جنبي تريد الجلوس اما كان صمتي دليلا على نفوري من جلوسك بجانبي و رغبة في انقلاعك من امامي ايا متقي مالك لا تتقي ام اصبحت الاسماء توزع لغير ذي اهل.
تجمد الدم بعروقه و انحسرت الكلمات بشدقه فما هي بطالعة فمنجيته و ما هي بنازلة فراحمته.. عقل لسانه كما تعقل الجمال فما وجد الا ان يطرق راسه حياءا منها و هم بالنهوض لولا ان استوقفه كلام منها :
- ايا متقي ارفع راسك اما علموكم في داركم هذه(مشيرة الى الجامعة حيث يدرس) علم المزاح فانتم ناديتموني جارية العرب لان ملابسي رثة و تشبه لباس الجواري اما علمت ان الجواري لدى اسيادهم اسياد 
كثر الكلام على مسمعه و ضاعت هيبته امام بلاغتها فاستحيى من نفسه و هو طالب جامعي و لا يجد ردا مناسبا لها. و بلحظة سمع نداءا غير ببعيد فرفع راسه متفحصا ملامح منجيه من هذه الورطة التي اوقع بها نفسه فبدت له حبيبته تشير اليه بالالتحاق بها فقام على عجل مريدا الرحيل فاستوقفته قائلة :
- ما بالك يا متقي تركض ركضة الهربان ما عهدت هذا من شيم الرجال افانا ادري اسمك و انت اسمي لا تدريه فما رايك لعلك تسالنيه.
حاول فتح فمه و قد اولاها ظهره مخافة لكنها رحمت دهشته فقالت مجيبة سؤلها:
- صابرة 
لم يلتفت نحوها و انما استعجل بالمشي نحو صديقته و اما هي عادت تنظر حيث سمرت بصرها و مر اليوم هكذا 
مر يومان و متقي لا يجرؤ الاقتراب او حتى الالتفات الى مكان جلوسها فما ان كان احد اصحابه يشير اليها حتى يزجره و تداولت الايام على تلك الحال حتى بيوم تذكر قولها (ما عهدت هذا من شيم الرجال) فنزل كلامها من نفسه منزلة عظيمة فشدته الهمة و الغيرة على رجولته الى كبح خوفه و زيارة رفيقته الصغيرة.
انهى صفه كالمعتاد و خرج مستلا دون ان يلمحه الاصحاب، فركض ركضة واحدة ليجدها بمكانها قاعدة على نفس الحال.
اقترب من مقعده بجانبها فجلس جلسة المذنب الخجلان و قال بصوت ملؤه الرعشة و الاذعان:
- عفوك يا اخية 
قهقهت في مكانها فتزلز داخله و ادارت وجهها نحوه و قالت: 
- عجيب امرك يا متقي البارحة جارية و اليوم اخية 
استحيى متقي من قولها و رد قائلا :
- اعلم اني اخطات بحقك و ناديتك باسم غير اسمك و افتريت عليك ما ليس فيك فهل انت بعافية عني 
تمهلت هنيهة و قالت :
- اني مسامحتك يا متقي، لكن..
شده الاعتراض، فاطال بعنقه نحوها مرسلا سمعه بامعان:
- لكن انا صابرة و لست لك باخية
بلع متقي ريقه من قوة جفاءها فاراد ان يقلب الجو المتوتر مزحا فسالها:
- حسنا يا صابرة كم عمرك؟ و لم انت دائما هنا و اين اهلك، الا تذهبين الى مدرسة ؟؟
ردت دون اطالة:
- اما عمري فهو اكثر من عمرك بكثير حتى اني ناسية كم كان و كم سيصير، و اما اهلي فاني لست وليدة البشر و علمي علمك لا ادري بهم خبر، و اما المدرسة فاني لست بحاجة لها، اتراك رايتها نفعتك يوم مازحتك فكدت تبكي بكاء الطفل الصغير ؟! 
امتقع لونه من كلامها الذي نزل عليه كالسكين فوق حبل الوريد.. فاسترسلت مكملة:
- و اما وجودي هنا فهو لحاجة بنفسي ما انا بمزعزعة من مكاني الا و قد قضيت غرضي.
همه الامر و ثارت ثائرة فضوله فتطاول باستفساره الامر فقالت دون تلبك :
- افرايت ذلك الشيخ الجالس هناك (حول بصره نحو الرجل الكبير فوجده جالسا كما راه اخر مرة) انه يكون والدي و اني اكون ابنته و ما انا براحلة الا و عمره بقبضة يدي.
توقفت عن الكلام و توقف ادراكه معها محاولا ترتيب كلامها في عقله و بعد لحظة قال :
- و ما قولك انك لست وليدة البشر و لا تدرين لاهلك خبر 
و لاول مرة انزلت راسها عند موطىء قدميها و قالت بحسرة:
- اما رايت ابا يقتل طفله فيكون من جنس البشر.
وقف شعر راسه لما سمع منها ما سمع حتى ان رجلاه فشلتا و ما عادتا قادراتان على حمله فتمتم متسائلا:
- م..مم..ما..ماذا تقصدين؟؟؟!
زاد تحسرها تنهدا يصعد من بؤرة جوفها فيصل لمتقي كالنار المضرمة، و اجابت :
- اني ميتة!!
تجمد مكانه و لم يقوى على الحراك، اهذا مزاح ام حقيقة؟؟! لالا، فعلا المدارس لم تعلمنا منطق البلاغة.. هل هذه مزحة جديدة؟!.
- اعلم انك يا متقي تظن هذه مزحة و لكن اقول لك مالي شان بمزاح الموت، و ما جلوسي هنا الا انتظار اجل ذلك الكهل هناك فما ان تنطق السماء امرا بحقه و تعتريه رعشة الموت و يسلب روحه مالك الملك فاني صاعدة وراءه اقص خبره عند قاضي القضاة و فاضحة جرمه بين اهل السماء فمقتصة منه كل حساب.
فصمتت و ما زادت، و ما قدر متقي ان يسالها المزيد فما اخذ من صدمات كفى و وفى ..الا انها استرسلت مكملة :
- فانك يا متقي  ساءلي ما بال صاحبك يراني و لكن الحق ما راني فانك متوهم لا غير، فاني وجدت فيك انسا لانتظاري و عزاءا لمصابي فاستبقيتك جانبي فترة من الزمن و كل يوم مر عليك نسيتني، فجعلتك تاتيني تساءلني فاعود لاعيد كلامي و الغصة ما تكاد تنخر عظامي، فما عهدي بك اخبرك اني ميتة الا و قد فررت مني و تركتني وحيدة في مكاني فعظم علي الجلوس يتيمة و انا اراك بين صحبك تنساني فما رايت الا محو ذاكرتك في كل ليلة فما اردته منك سوى ان تعمر علي مقامي و ما حاجتي بك اكثر من ذلك يا متقي.
صمتت للحظة و اكملت قائلة :
- عفوك يا متقي سخرت من اسمك و نسيت نفسي، سميت صابرة و ما استطعت على الوحدة صبرا فاستخلصتك لنفسي، عفوك يا متقي و انك ان شئت محوت ذاكرتك فجعلتك تنساني و عدت لحياتك فان ذلك جزائي فانظر ما انت ناظره و اني ملبية.
قام متقي من مكانه و مشى دون ان يدور نحوها، و كانت تلك مشيته الاخرى، مرت الايام و الايام و انقطعت الاخبار فلا متقي ظهر و بان و لا صابرة و الشيخ لاحا بنفس المكان..
فيا ترى الى اين آلوا؟
او بالاحرى.. من بالاصل كانوا؟؟

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق