موسى الرمو يكتب: البول مقابل الغذاء


" رسالة من تحت الماء ".. عرفت أنه عنوان أغنية للفنان الراحل عبد الحليم حافظ عندما دار حديث في أرجاء المعمورة أنه توفي بمرض " البلهارسيا " قبل عام من اكتشاف علاج لهذا المرض.
 بدأت الناس تتناقل هذا الحديث عندما أصيب عدد من الأطفال بهذا المرض، وأسبابه جرثومة تصيب المثانة نتيجة السباحة في المستنقعات الراكدة وأعراضه ظهور دم مع البول، وقد يؤدي بالمصاب الى الموت مثل الفنان الراحل، والعلاج كان حبة دواء واحدة فقط.
 وقفت سيارة مديرية الصحة أمام مدرستنا اﻹبتدائية ونزل منها طاقم تمريض كبير يرتدون لباساً أبيضاً عدا السائق، وقتها كنت في الصف الرابع اﻹبتدائي،
وقفنا طابوراً طويلاَ، وزعوا علينا القوارير لكي نتبول فيها ونعيدها لهم ثم تعود النتائج بعد أسبوع وقد أولت الأمم المتحدة مع الحكومة وقتها أهمية كبيرة لهذا اﻷمر لدرجة أنهم يوزعون سلة غذائية لكل طالب محتواها كيس من التمر وجبنة من النوع الفاخر وحليب وأشياء أخرى من أوربا بعد استلام قارورة البول من كل طالب،
 كنا لا نعرف ما نفعله ولا ندرك مخاطر هذا المرض كنا نعتقد أن من يملأ القارورة بالبول أكثر يأخذ سلة غذائية فيها مواد أكثر، ونعتقد أن بولنا له قيمة وغالي ومعد للتصدير مثل النفط العربي، كانت المدارس المستهدفة من قبل الصحة العالمية هي المدارس القريبة من اﻷراضي الزراعية حيث توجد مستنقعات قد يتخذها اﻷطفال أماكن للسباحة بالمجان، كان للأولاد أصوات ضحك وسخرية ومزاح في الحمامات.
 وبعدها تخرج القوارير "مطفحة" بالبول بألوان مختلفة متصاعدا منها بخار، كان اﻷولاد يتفاخرون بقواريرهم، كلا حسب الكمية وحسب اللون، فكلما زادت الكمية وكان اللون أكثر غماقة كان لصاحبها الفخر أكثر، وكان من يملئ بول فاتح يخجل ويضحكون عليه اﻷطفال.
كانت الطالبات جدا محرجات وكن يحاولن إيجاد مهرب بالتملص بأي شكل بعض الطالبات ذهبن للبحث عن من تعطيها نصف ما في قارورتها  ومنهن ذهبن للبكاء والبعض وضعن بالقارورة ماء أو لففن القارورة بمناديل ورقية حتى لا يراها الطلاب ويتهامسون عليهن،
 كانت "أم طذونة الزغالة" من دكانها مقابل للمدرسة تبيع فيه البسطة يشتري منها الطلاب قبل الدوام وأثناء الفرصة لكنها كانت تغش كثيرا فكانت تبيع "قبقاب غوار" بربع ليرة بالوقت الذي كان يباع في الدكان عشرة بليرة وفنجان "بزر عين الشمس" ب"ربع ليرة" وفي الدكان يباع ب"فرنك" كانت طماعة وجشعة بشكل لا يوصف، ركضت "طذونة " الى أمها وأخبرتها أن الطالبات يخجلن من البول بالقارورة وأنها أعطت بولها لفتاة مقابل سلة الغذاء ومحتواها التمر والجبنة ومواد أخرى ﻷن الفتاة كانت تخجل أن تخرج من الحمامات حاملة بيدها قارورة وبها بول يتصاعد منه البخار أمام الطلاب،
 فهمت اﻷم ما جاءت ﻷجله "طذونة" وأخبرتها أن تسرع وتخبر الطالبات أن يجلبن القارورات و تعطي "أم طذونة" من بولها مقابل سلة الغذاء "البول مقابل الغذاء"،
 أجلت البيع بالدكان وتفرغت للعمل الجديد فقد استمر لمدة ثلاثة أيام متتالية فهو يعد فرصة ذهبية لا تعوض، فبعد انتهاء العمل وذهاب سيارة الصحة سوف تبيع السلل الغذائية ﻷهل البلدة.
 بعد أسبوع حضرت سيارة الصحة مع الموظفين وحضر مدير الصحة وقائد الشرطة وعدد كبير من مجنديه ومنعوا الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات من الخروج من المدرسة واستدعوا كل من كان من المعلمين في إجازة الى المدرسة وبدأوا بالتحقيق فقد ظهرت نتائج التحليل وتبين أن أكثر طالبات مدرستنا اﻹبتدائية كن حوامل وبالشهر التاسع مثل " أم طذونة " في نفس الشهر.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق