زياد رزاق يكتب: مفهوم الإستقامة عند أهل الذوق




إن الإستقامة عند أهل الفقه تقتضي إلتزام العبد بما أمره به الشارع من أحكام 'يستنبطها الفقيه من النص الديني .ومسلكه في ذلك علوم النظر (علم أصول الفقه وقواعده) أي أن الإستقامة نوعان : إستقامة الباطن وإستقامة الظاهر .فإستقامة الباطن : هي إستقامة القلب على الإعتقاد الراسخ بوجود إله خالق ومشرع ' ومنه تنبع إستقامة الظاهر أي إستقامة السلوك على أحكام الشريعة الموحى بها. ولهذا المعنى تشير الآية ./اقُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.. لكريمة (). /سورة فصلت ؛ الآية.6:
غير أن الإستقامة الفقهية مع تركيزها على استقامة الباطن إلا انها تولي الأهمية الكبرى الى استقامة الظاهر أي استقامة السلوك على أحكام الشرع٠ على عكس أهل الذوق اللذين عملوا على عكس القاعدة ؛فركزوا على استقامة الباطن دون اغفال استقامة الظاهر .وهذا الفهم نابع من إدراكهم أن باطن الإنسان هو الموجه لسلوكه لذلك نجد سيدي محمد العربي الدرقاوي يحث مريديه على هذا المعنى ملزما إياهم بالإلتزام بفروض الشرع وماتأكد من سنة المختار " وإني احب من من تعلق بي أن يقوم بالمفروض وما تأكد من المسنون " ¹ فإلتزام المريد بأحكام الشرع أمر ضروري إلا أنه لايكفي ليصل إلى مرتبة التحقق بالحقيقة .
فأصل السلوك فكرة والفكرة تبلورها النفس فإذا كانت هذه الأخيرة مشدودة الى المحسوسات وسائر الشهوات بلورة أفكارا شهوانية فيسلك صاحبها سلوكا يطابقها ؛ فيخرق بذلك أحكام الشريعة ؛ للهوة الساحقة الموجودة بين نفسه المتعلقة بالمحسوسات وأحكام الشرع المتعالية .
فشتان بين من تعلق قلبه بالحور والقصور ومن تعلق قلبه برفع الستور ودوام الحضور ؛لذلك ركز أهل الذوق على استقامة الباطن التي محلها النفس تحلية وتخلية ومجاهدة هواها لابدفع رغباتها وشهواتها وإنما بإستغراب معاني الحس فيها إلى أن يصل المريد إلى إماتة نفسه وعلامة ذلك خلوها من محبة الدنيا ومشاهدة صورتها .فالمحبة عروس ومهرها إماتة النفوس كما قال بعضهم .
وعماد هذا الطريق هو الذكر وملازمته ؛ والإقبال عليه بالروح تركيزا وتأملا ؛ فبه تطوى المسافات ويصل العبد الى حضرة ربه والفناء فيه فيغيب نظره في نظر من هو في حضرته فلايرى ولايسمع ولايبصر ولايبطش إلابه ؛ يقول المجذوب في هذا المعنى
غيبت نظري في نظره *** او فنيت عن كل فاني
حققت ما صبت غيره*** او مشيت في الحال هاني ²
فذاك هو مقام الولاية التي ينشدها العبد المتحقق بالعبودية لبارئه ؛وفي هذا المقام الرفيع ( اللذي هو بنفسه مقامات) ترد على المريد الأحوال الرحمانية والبوادات الربانية فتغير من أحواله معرفة إياه بكمال ربه وبنواقص ذاته فتهيم الذات الناقصة في جمال الكمال ؛ وتفنى عن ذاتها في ذاته . وهذا هو مقام الجذب ؛ وفي ذلك يقول الصوفي السالك سيدي عبد الرحمان المجذوب :
مجذوب مانيشي مجنون ***غير الأحول لي بيا ³
فتيشرب المريد من الذات الكاملة مايرمم ذاته ويوصلها الى الكمال البشري ؛ على قدر طاقة ذاته . فالذوات السالكة ليست كلها في مقام واحد بل مقامات كل على قدر عمله ؛ فلو تجلت الذات الكاملة على الذات الناقصة بأنوار تفوق طاقتها لأحرقتها . فكل ذات سالكة تأخذ من الكمال على قدرما يسعها تحمله (لمفهوم الذات عند السادة الصوفية تصور وفلسفة عميقة ليس هذا هومجال بسطها..) وعندما تتشرب الذات معاني الكمال تشفى من نواقصها .من إنشدادها االى المحسوس وتتعلق بالكمال الإلهي ؛يقول سيدي عبد الرحمان المجذوب:
من جا لحضرتنا يبرا*** ويمشي بقلب مستامن
لي جانا نحاس امشي نقرة *** او سيدنا محمد هو الضامن⁴
إذن فالمرحلة هنا فيصل أوقطيعة بين المرحلة الاولى التي تكون فيها النفس مشدودة إلى المحسوسات؛ والمرحلة الثانية التي يفتح فيها للسالك فيرى مالم يكن يراه أي ماكان محجوبا عنه ؛فيصير بمقتضى هذا الفتح يرى ما كان وماسيكون ولذلك يشير المجذوب بقوله :
نظرت في اللوح المحفوظ*** اوالسابقة سبقات ليا.5
كذا قول سيدي عبد العزيز الدباغ " فيرى الارضين السبع والسماوات السبع وماكان وماسيكون ويشاهد افعال العباد في دورهم لايرى ذلك ببصره وإنما ببصيرته ..."6 فالروح إذا صفت لايحجبها ستار ولايردها جدار
كما قال بعضهم .فتلك هي ثمار الإستقامة وتجليات الكمال البشري المقتبس من الكمال الإلهي .
----------------------------------
1: محمد العربي الدرقاوي ؛البشور الهدية في مذهب الصوفية ؛دار الرشاد الحديثية الدار البيضاء المغرب؛ الطبعة الاولى؛ 2004م؛ص:٢4
2: ديوان المجذوب
3: المصدر نفسه
4: المصدر نفسه
5: المصدر نفسه
6:أحمد بن المبارك السجلماسي ؛ الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز؛ دار الرشاد الحديثية الدار البيضاء المغرب ؛ الطبعة الرابعة 2008م؛ص:94

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق