لماذا تقدم الآخرون وتخلف المسلمون؟


بعد السبات العميق الذي داما ألف سنة، ستستيقظ الامة الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على صوت دوي المدافع الأوروبية، لتجد نفسها أمام عالم قد تطور وتحول بشكل كبير، وتجد نفسها أيضا أمام قوة أوروبية إمبريالية لم يسبق لها مثيل، فكانت صدمة لبعض الدول التي انهارت جيوشها التقليدية بسهولة أمام جيوش حديثة وبتقنيات جديدة، فكان التخلف العسكري الرهيب هو أول اكتشاف لمدى تخلف ألمسلمين، ليبدأ المفكرون الاسلاميون في اكتشاف تخلفهم في مختلف المجالات والاعتراف بيه، وطرح سؤال من طرف المهتمين بالشئون الفكرية مفاده ومحركه الأساسي هو: لمدا تقدمت دول أوربا ولم نتقدم نحن؟ و لمدا تطور العالم الغربي على جميع الأصعدة ونحن لم نتحرك من مكاننا بل انغمسنا في تخلفنا؟ ونفس السؤال سيظهر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع أهم رواد الإصلاح في العالم الإسلامي، من أمثال جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ومحمد الحجوي وغيرهم في مختلف الدول الإسلامية، الذين حاولوا أن يشخصوا مكامن الخلل، وينبهوا شعوبهم الى ضرورة تجاوز مسببات التخلف والتأخر التي تعيشها الامة الإسلامية، وحملوا مشعل الإصلاح والتجديد والانفتاح على التفكير العقلاني الذي ضل مغيب لمدة طويلة من الزمن، ولم يكن هؤلاء المصلحون هم أول من انتبه الى الانحدار الذي يعيشه العالم الإسلامي حيث أن ابن رشد على سبيل المثال، كان ينادي في عز تخلف المسلمين الى ضرورة تحكيم العقل والعلم، لكنه همش وعزل وحرقت كتبه بسبب دعوته الى تبني الفكر العقلاني، لأن الفكر الاسلامي الفقهي عظم نسق العلوم الشرعية وأغلق نسق العلوم العقلية، واعتبرت علوم غير نافعة واستغل التفكير الفقهي نسبية العقل ليجعله تابع للنص لأنه مطلق، ومهمة العقل هي تطبيق النصوص الدينية، ولم يكن ابن رشد وحده من تعرض للإبعاد بسبب دعوته الى تشغيل العقل الاسلامي و اعطائه حريته، فهناك العديد من العلماء والفلاسفة الذين عاشوا منبوذين، وثم تكفيرهم  بسبب تبنيهم للفكر العقلاني والاشتغال على العلوم العقلية، ويكفي الرجوع الى محنة علماء الاسلام لمعرفة حجم الوصاية التي مورست على العقل وهدا ما جعل العقل محدود القيمة وأيضا من بين الاسباب التي جعلت المسلمين متخلفين على المستوى العلمي والمعرفي.
اليوم بعد حوالي مئة سنة من طرح سؤال لمدا نحن متخلفون وبعد استقلال دول العالم الاسلامي لم يعد هدا السؤال يطرح بشكل قوي بل على العكس، ويرجع السبب بالأساس الى ظهور جماعة الاخوان المسلمون في بداية القرن العشرين، وانتشار هدا النمط الفكري في بقاع العالم الاسلامي أدى الى تخريب مشروع زعماء الإصلاح، فعوض ان نقول الاخر متقدم ونحن متخلفون وسبب تقدمه هو العقل والعلم وحقوق الانسان وقع العكس من ذالك، وقالو الغرب منحل ومنحط ولأننا نحن مسلمون نحن أفضل من الجميع لسبب واحد هو أننا نعتنق دين الاسلام دين الحق، رغم التخلف العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي إلا أننا أفضل من حفدة القردة والخنازير فالغرب كافر في ضلال ونحن على طريق الصواب ونستحق الفردوس المنشود، هدا من جهة أولى ومن جهة اخرى كان للأنظمة المتشكلة بعد الاستقلال نصيبها في ترسيخ بنيات التخلف، فكل الدول الإسلامية نظرت الى كل ما يأتي من الغرب على أنه استعمار جديد، ورفضت تحديث نفسها مع التطورات الجديدة اعتقادا منها ان هدا يهدد وجودها فحافظت على أسسها الراسخة القديمة، فعادة هذه الدول الى سابق عهدها قبل ألاستعمار، عادة الى استبدادها و أصبحت داخل الدولة الواحدة دولتين، دولة تحمل صفات الدولة الحديثة بمؤسستها و أجهزتها وغيرها من المظاهر الخارجية لترويج صورتها أمام العالم، ودولة داخلية عميقة تحمل نموذج الدولة التقليدية القديمة والتي تتحكم في كل شيء بشكل مطلق كما كان الحال قديما، هده الدول تستقبل إنتاج العالم الغربي في مختلف المجالات فهي تفتح أبوابها لمنتجات التفكير العقلاني والعلمي تكنولوجية كانت أو غيرها لكنها في نفس الوقت ترفض بشكل مطلق افساح المجال للعقل وللتفكير العلمي أن ينتشر داخل المجتمع بل تحاول جاهدة إقصاءه وفي المقابل تشجع وتدعم تغلغل الدين و تصوراته وتخصص ميزانيات ضخمة له، فنجد دعما للتصورات الدينية وإهمال لميزانيات البحث العلمي في مختلف الدول الاسلامية، وهدا مزاد من ترسيخ بنية التخلف داخل المجتمعات الاسلامية التي ربطت وجودها وهدفها بيوم القيامة وغيرها من الغيبيات، فأصبحت تعتبر الغرب هو المتخلف بقوانينه وتشريعاته الوضعية وان تقدمها في رجوع الى دين، فتجد المسلمين يرغبون في دستور إسلامي يستمد قوانينه من النصوص المطلقة وفي نفس الوقت لا يعتبر دولة الخلافة في العراق والشام ممثلة للإسلام، وهو لا يعلم عن قصد أو غير قصد أنها تطبيق لما جاء في نصوص المقدسة عنده، وهكذا أصبح العالم الاسلامي يعيش مرحلة أزمة وتخلف على جميع الاصعدة تخلف تتشارك وتتقاطع فيه مجموعة من المسببات كل سبب له نصيبه من استمرار الانحدار، ويبقى سؤال رواد الإصلاح لمدا تخلفنا وتقدم غيرنا سؤلا يعيد صياغة نفسه ويتجدد بشكل مستمر تبعا لظروف التي تفرض نفسها عندما ترى دول مرت بنفس تخلفنا، لكنها حققت نهضة فكرية وعلمية في جميع المجالات ونحن لازلنا نعيش على أطلال الماضي الغابر.     


عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق