محمود العكري يكتب: فئرانُ اليومِ العالميّ للعُمّال


اليوم؛ 
سيخرجون من جحورهم كالفئران المصابةِ بفضولِ ماذا تريدُ القطط المتوحشةُ منهم! 
احتفالٌ بالإحتلالْ، بالإحتيالْ، بكلّ أشكالِ الإستبداد والعنصرية.. سيخرجُ العالمُ كله، أو بالأحرى أولائك " الدراويش " للإحتجاج والصراخ والمطالبة بحقوقهم المشروعة. 
يصادف اليوم الأول من شهر مايْ، والذي يصادفُ بدوره اليوم العالمي للشغل، اليوم الوحيد الذي يكونُ للعمال الحق فيه بخلقِ الضجيج والضوضاء وتزيين الشوارع باللافتات والأبواق وحتى الأطفال. 
إنهم المضطهدين المستعبدين الضعفاء والفقراء والمساكين وكلّ صفاتِ الجبنِ والدناءة، إنهم أبناءُ الشعب! أيّ شعبٍ؟ لا يهم، فالمهم أنهم شعبٌ وفقط. 
سيخرجونَ كالعادةِ وكلهم أملٌ وتفاؤلٌ بتحقيقِ شيءٍ من ذلك الحلمِ النائمِ على فراشِ الأباطرة والأمراء. 
سأخرجُ أيضاً لأشربُ قهوتي التي لن تكون كباقي الأخريان، حيثُ ستواكبها فرجةٌ ممتعةٌ على بني البشر وهُم تحتَ وهمِ أنّ هناكَ حقاً " إمكانيةً للتغيير ".
آلافُ الشرائح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والطلابية، سيجتمعونَ تحتَ صوتٍ بريءٍ من هذا اليومِ الجميل، صوتٌ يجيدُ لعبةَ تكرارِ نفسِ الإجترار الجبان. 
سأنصتُ لهمسهم الذي بالكادِ تسمعهُ الأذن وهو يردد: لا للإحتكار، لا للظلم، لا للإستعباد، لا للطبقية.. إلى غير ذلك من الشعارات التافهة. 
تقودُ النقابات قطارَ هذا الصوتِ الخافت، تقودهُ حتماً نحوَ حتفهِ الأخير، نحوَ نهايةِ يومٍ كانَ للذكرى! 
يومٌ يتيحُ الإمكانية لكلّ أبواقِ الإعلام بالقول: كانَ يوماً تاريخياً. 
ليسَ المشكلُ في النقابات ولا في الأبرياء الذين لا يعلمونَ شيئاً سوى تتبعُ المسير، بل الذنبُ كلّ الذنبِ ملقى على عاتقِ أولائك الذين يظنون أنهم أذكياءٌ ولهم الحاسة ما بعد المائة في تقرير مصيرِ بلايين البشر. 
وحدهُ اليوم يحققُ أمنيةَ ساراماغو في روايته الشهيرة " العمى "، حيثُ ترى مجتمعاً من العميانِ، قطيعاً من الخرفان، يجرونَ ويرددون خلفَ أسيادهم شعاراتِ العبيد الذين لم يفقهوا بعدُ لعبةَ الدول والحكومات والحكام وكلّ من لهم السلطة داخل هذا العالم التعيس. 
حينَ كنتُ طالباً بالجامعة، لا أنكرُ أنّني شاركتُ في مثلِ هذه المسيرات والمظاهرات التي تصادف هذا اليوم، واكبتها طيلةَ خمسَ سنواتٍ بالتمام والكمال، لأحصلَ على نفسِ النتيجة: لا يمكنُ سيكولوجياً للإنسان المقهور أن يقولَ كلمته وأن تُسمعَ وتُغير. 
الغريبُ في الأمر هو ذلك التصادم الذي يحدثُ بينَ نفس الطبقاتِ الهشة، والتي لا تختلفُ سوى في أسامي المهن التي يقومون بها. 
سيخرجُ الطبيب والمحامي والفلاح والبطاليّ والعامل البسيط وعاملُ النظافة والمعلم.. سيخرجونَ تحتَ لواء قيدٍ يسمى بالنقابات. 
كانَ من المجدي حقاً أن يكونَ اسمُ هذه المؤسسة ب " النفايات " عوضَ " النقابات " وذلكَ لسببٍ بسيط جدا ألا وهو تكرارُ نفسِ الأوساخِ التاريخيّة التي حصلت وستحصلُ مجدداً. شخصياً لستُ ضدّ الخروجِ للشارع قصدَ إسماع صوتي للذين يحكمونني، لكنني ضد أن يُمارسَ في حقي وفي اليوم الذي من المفروض أن يكونَ لي فيه سلطةٌ نوعٌ من التبعية العمياء لما يُرددُ ويتمُ ترديده من طرفِ أباطرةِ الغزو الفكري والسياسي. 
كلنّا أبناءُ هذا الشعب، لكن هل نحنُ حقاً أبناءً أوفياء؟ هل حقاً نمارسُ دورنا بكلّ شفافية ونزاهة؟ هل نخرجُ من أجل الإتحاد على كلمة ال " لا " أم من أجل ممارسةِ نفس عهرِ ال " نعم "؟
إننا اليومَ في أمسّ الحاجة لإعادة تقييمْ كلّ المعطياتْ التي نحنُ بصددِ اجتيازها، فالمشكل لا يتمثلُ في عدمِ نجاحها، بل أساساً في عدمِ نجاحنا نحنُ بأن يكون لنا صوتٌ واحدٌ يهزُ عرشَ أصحابِ الكراسي، صوتٌ يصرخُ بكلّ صدق: كفى طغيانا، لا للفساد، كفى نهباً، لا للإستعباد. 
وهذا لن يتحققَ إطلاقاً في ظلّ الأوضاعْ المزرية التي ما زلنا نعاني منها، أذكرُ بالخصوص توكيلنا الدائم لأشخاصٍ لا يعلمونَ عن معاناتنا أيّ شيءٍ مهمةَ إيصالَ صوتنا الخافتِ الخائفِ لأركانِ السيادة. 
بحقّ الرب كيفَ سيصلُ هذا الصوتُ الجبان الذي يحملهُ شخصٌ أو مؤسسةٌ لا علاقةَ لها بي إلا في هذا اليوم إلى مراكزِ القيادة؟ 
فلتخرجوا يا عمّال العالم للشوارع والميادين، لكنْ لا تتركوا أحداً يتحدثُ بالنيابةِ عنكم، صوتكم أمانة عليكم ويجبُ أن توصلوه بأنفسكم، وهذا لن يتحققَ إلا بالوعي والمعرفة!

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق