فاطمة الزهراء ملال تكتب: أصلح ذاتك أولا


دوما ما نسمع أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش منعزلا عن الآخر، فلا بد له من الاحتكاك والتواصل والتعاون لتحقيق المصالح وضمان البقاء. ولكننا ننسى أن الإنسان هو أيضا كائن متناقض مع ذاته ومع محيطه، متناقض مع أفكاره وطموحاته ولهذا التناقض تجليات عدة نعيشها في مجتمعنا ونتعايش معها. وهنا نتساءل عن أسباب هذا التناقض وكيف يمكن للإنسان أن يعيش في توازن وتصالح مع ذاته؟ 
تعترضنا صور كثيرة من التناقضات التي يعيشها الإنسان في حياته، فمثلا هناك صورة ذلك الشخص المحافظ المتشبث بالقيم الدينية سواء الرجل ذو اللحية الطويلة والجلباب الأبيض أو المرأة ذو لباس طويل يغطيها من أعلى الرأس إلى القدمين. ففي الوهلة الأولى يتبادر إلى ذهننا أننا أمام شخص ذو أخلاق ودين وسلوك ومعاملة، إلا أن ذلك ما هو إلا قناع وجده مناسبا لستر عيوبه وأخلاقه الرذيلة ولدفع الشبهات عنه،حيث نجد رجلا يدعوا إلى الدين والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أن ينفرد بذاته أو عن الجماعة التي تعرفه إلا ويبحر في عالم من الحرام بمختلف أشكاله. وهناك أيضا صورة الشخص الذي يرفض الميوعة وكل إمرأة متحررة في نظره تتصرف بطبيعتها،تهتم بجمالها، تبتسم، تتحدث بصوتها الرقيق وتمشي بخطواتها المتثاقلة فهي امرأة فاسدة وعندما يتزوج يطالب المرأة أن تكون في كامل أنوثتها...والشخص الذي يقضي حياته في الاستمتاع  واللهو ينتقل من فتاة لأخرى ويتلاعب بمشاعرهن، عقولهن، شرفهن ويتركهن كجثث هامدة بلا روح. وعندما يقبل على الزواج تختار له والدته فتاة ظنن بها أنها فتاة شريفة ومحترمة أو يتزوج ابنة عائلته، يريد بذلك فتاة عذراء لم تتعرف على أحد ولم تعش أي تجربة حب، فالرجل يبقى رجلا يفعل ما يشاء ولا يحاسب، بل هذه التصرفات وعدد الفتيات التي قضى عليهن هو فخر له واعتزاز برجوليته. أليس للرجل كذلك شرف وعذريته؟ أليس الرجل زانٍ كالمرأة؟ ألا يلحق العار بالرجل ومتى أصبح هناك استثناء بين الرجل والمرأة في الأخلاق؟ فحتى المرأة تريد رجلا شريفا ذو أخلاق حميدة وليس رجلا قاتلا لعواطف النساء. ومن جهة أخرى هناك المرأة التي تقول أن الرجولة انعدمت وهي متناسية أنها من سلمت نفسها لهذا الشخص  وجعلت نفسها كدمية بين يديه، لم تضع حاجزا بينهما وفسحت المجال تحت ذريعة الحب، فلتتحملي المسؤولية يا عزيزتي ولا تلقي اللوم على أحد فكل شخص عليه أن يكون مسؤولا عن اختياراته وتصرفاته. لنذهب إلى صورة أخرى من التناقض وهي عندما نكون في مجتمع مسلم ولا يمكن للمرأة المحجبة أن تشتغل في الوظائف العسكرية أو بالأحرى في الوظائف ذات زي رسمي تابع للدولة وحتى في مجال الإعلام وخاصة السمعي البصري فهي لا تجد فرصة للعمل فيه، إذ يحاولون طمس هويتنا وقيمنا الدينية . وكذلك فالفتاة التي تمتنع عن مد يدها لتسلم على الرجل يعد ذلك إهانة وقلة إحترام في نظر الآخرين ... فكيف نسمي مجتمعنا بالمجتمع الإسلامي؟ والشخص الذي يدعوا إلى محاربة الفساد ومحاربة الرشوة تجده أول الأشخاص الذين يدفعون الرشوة للحصول على الوظيفة  وتحقيق مصالحه وينسى أن الأموال التي سيجنيها من هذه الوظيفة ما هي إلا أموال الحرام . وكذلك هناك صورة الأبوين اللذان يربيان أبناءهما على البر والعمل الصالح والقيم الدينية، وهما لا يجسدان أي شيء فلا الأب ولا الأم يقومان بعمل صالح أو بالإحسان لوالديهما. فقبل أن نربي أبناءنا تربية صالحة علينا أولنا أن نربي أنفسنا، فتربية الأطفال تبدأ أولا بالممارسة قبل التلقين. تجد شخصا حريصا على حماية أخته، يراقبها، يحذرها، يمنعها من الحديث مع الرجال ويخاف عليها، فأخته هي فتاة شريفة أما باقي الفتيات فهن مجرد دمى بين يديه ، وقد يقتل أحدا إن تعدى على أخته وينسى كم من فتاة وهي أخت لأحد ما قد حطمها وتركها مع وصمة عار لن تزول. الكل يريد فتاة شريفة وعندما نسأل عن الشرف نجد أن الكل يقزمه في نقطة حمراء من الدم وكأن موطن شرف المرأة بين رجليها، فنحن تحكمنا العادات والتقاليد قبل كل شيء، فقد تقتل المرأة وتهان كرامتها أمام الجميع وتتخلى عنها عائلتها، إن لم تظهر تلك النقطة الحمراء من الدم في يوم العرس. أليس الشرف مفهوم واسع يضم احترام الفتاة لنفسها ولأخلاقها الحميدة وشخصيتها المتوازنة وأفكارها وتصرفاتها؟ قد تخطئ الفتاة في يوم ما وتكون ضحية لعواطفها وتتوب  بعد ذلك إلى الله وتصلح نفسها، فالله غفور ولكن الإنسان لا يغفر. قد تتعرض الفتاة للاغتصاب وتفقد بكرتها وليس شرفها أليس لها الحق في الاحترام بدل إلحاق الشبهات لها؟ كيف لهذا الرجل الجشع والمريض الذي ضاعت عذريته في ليالٍ كثيرة أن يطالب بعذرية الفتاة؟ نحن أناس تحكمنا العادات والتقاليد أكثر من الدين. لا ننس كذلك صورة أخرى من التناقض وهي عندما نطالب بالحرية وندافع عليها  ونطالب بالحق في الاختلاف ولكننا  في أول اختلاف بيننا ينشب الصراع وتنقطع العلاقات حول أبسط الأشياء لا لشيء  فقط لأننا لا نتفق في أفكارنا أو توجهاتنا، فأي حرية نطلب ونحن لم نتحرر من أنفسنا وأفكارنا الرجعية، لم نتحرر من الطمع والجهل، لم نتحرر من سجن العادات والتقاليد، لم نتحرر من التبعية. فحتى التحرر لم نفلح فيه أو قد فهمناه بشكل مغلوط فالشخص يتحرر لدرجة الانسلاخ من ثقافته وهويته وقيمه ولم يتعلم تلك المرونة في الانفتاح والتحرر. هي صور كثيرة من التناقضات لا يمكن ذكرها كلها بل نعطي فقط على سبيل المثال وليس الحصر من أجل تشخيص الوضعية ومحاولة تفسيرها وإيجاد حل لها.
في خضم هذه التناقضات يصبح الإنسان في صراع مع ذاته وذو شخصية غير متوازنة، أحيانا يصاب بأمراض نفسية واكتئاب الشيء الذي يخلق له قلقا وجوديا ويحتم عليه العيش في هذه التناقضات، لكن السؤال الذي نطرحه هو هل فكر الإنسان يوما في ذاته وتصرفاته؟ هل حاول أن يصلح ذاته؟ فدوما ما نلقي اللوم على الآخرين وعلى الظروف التي نعيشها.
بُعد الإنسان عن الله عز وجل  وعدم تطبيقه لأمور الدين هو أول سبب لما يعيشه من تناقضات وصراع، فالدين هو سلوك ومعاملة ولو كان الإنسان متشبث بأمور الدين ومداوم على صلاته؛ فمن استقامت صلاته استقامت حياته؛ لكان ذو شخصية سوية،  فمن ينسى الله ينسى نفسه في متاهات الحياة ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. عش حياتك ولكن لا تنس علاقتك مع الله، حاول ما أمكن أن تصلح ذاتك كلما أخطأت، أن تكون أفضل من الأمس، أن تتعود على الصراحة، أن تتجرد من تلك الأقنعة التي ترتدي. ولو أمعنا النظر أيضا لوجدنا أن التربية لها دخل في هذا التناقض، فغياب التربية على القيم النبيلة منذ الصغر يساهم بشكل كبير في خلق شخصية متناقضة شخصية ازدواجية في الأفكار، فنادرا ما نجد أن الأب يعلم الطفل ويربيه بشكل متسلسل على فعل الخير، الصدق مع الآخرين، ربط الأقوال بالأفعال وتربيته على الحب الصادق لتكوين شخصية قادرة على مواجهة التحولات الاجتماعية وحماية النفس من الآفات. وكذلك فالإنسان الذي لا يكون صريحا مع ذاته لا يستطيع أن يعيش في سلام، عليك أن تكون صريحا مع نفسك ومتصالحا معها تعترف بأخطائك وعيوبك وتحاول أن تحول نقاط ضعفك إلى قوة، وعلى الأقل أن تكون لك الجرأة في الاعتراف بأفعالك وتصرفاتك غير اللائقة ومواجهة الأخر بذلك، كيف يعقل أن تلبس قناعا تخفي من ورائه حقيقتك خوفا من الآخر؟ ألهذه الدرجة أصبح الآخر يشكل هاجسا لك؟ تحسب له ألف حساب ولا تخاف من الذي خلق ويرى كل شيء فيك.
 إن رأيت ثغرة في المجتمع فاعلم أن الخلل موجود فيك وأن التناقض موجود في ذاتك وليس في المجتمع، لا تحاول أن تصلح المجتمع بمواعيظك بل حاول أن تصلح ذاتك أولا وأن تحدثها وتستمع لها، أن تؤمن بذاتك وتكون قادرا على العيش بين أناس مختلفين عنك تماما، أصلح ذاتك مع الله أولا ثم مع نفسك ثم مع الآخر.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق