إبراهيم بن مدان: المأساة الحقيقية للإنسان..!


فيلسوف الإرادة والتشاؤم آرثر شوبنهاور له قول مأثور من خلاله يلخص بدقة بالغة مأساة الإنسان الحقيقة على وجه البسيطة بعبارة مقتضبة بليغة جدا. يقول: "إن مأساة الإنسان الحقيقية هي أنه دائما ينظر إلى ما يفتقده ويغفل النظر عما في يديه"، وبطبيعة الحال هنا يكمن جوهر ولب المشكلة التي تؤرق الإنسان من نواحيها المتعددة؛ فنحن بني البشر دائما نعيش التعاسة في أبهى صورها وأبلغ تجلياتها لأننا ننظر إلى ذلك الجانب الفارغ من الكأس وننسى الجانب الملآن متجاهلينه غير معيرين إياه أي اهتمام يذكر. لو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر ذلك الرجل الذي يمتلك بيتا متواضعا يقيه حر الصيف وبرد الشتاء يكد ويكدح من أجل أن يجلب قوت يومه له ولأولاده، نجده ينظر بعين التطلع والحسد إلى الرجل الذي يعيش في "فيلا" فسيحة ولديه مسبح وسائق يتجول به أي مكان يريد، له مطبخ وخدم يهيئون له ما لذ وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات...إلخ لو أردنا أن نعقد مقارنة بسيطة بين الرجلين فقد نجد ذلك الكادح الذي يكاد يمتلك أشياء يحسد عليها وهو عنها غافل ربما يكون في صحة جيدة له زوجة صالحة تحفظ له شرفه وتصون بيته، لديه أبناء صالحون يبرون به يقدرونه ويجلونه... هذه الأشياء وغيرها يمكن أن تكون غير متوفرة لذلك الرجل الغني المنعم عليه بالأموال والخدم والحشم وينظر هو الأخر بعين الحسد إلى الرجل الكادح الذي يمتلك كل هذه النعم وهو عنها غافل. كل من الرجلين يحسد الأخر، وكل منهما لديه نعم لا يتوفر عنها الأخر، وكلاهما يعيشان الشقاء والتعاسة والمأساة لا لشيء إلا لأنهما تجاهلا ما بين أيديهما من نعم وتطلعا إلى ما يحوزه الأخر. يقول جايمس غوردون غاليلكي:" إن مشكلة الرغبة في أن تكون نفسك، هي قديمة قدم التاريخ، وهي عامة كالحياة البشرية. كما أن مشكلة عدم الرغبة في أن تكون نفسك هي مصدر الكثير من التوتر والعقد النفسية". إن الآية الكريمة " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا" هي جامعة مانعة في هذا الباب إذ تبين أنه لا يمكن للإنسان أن يحوز الكمال في هذه الحياة فلابد من النقص لأن الحياة بطبيعتها خلقت هكذا للمكابدة والمجاهدة " لقد خلقنا الإنسان في كبد". فعليك أن تؤمن بأن الحياة لا تسير بخط مستقيم أي شيء تطلبه تجده أمامك لأنك بكل بساطة لا تعيش في جنة النعيم. الفيلسوف ديوجين الكلبي الذي رآه الإسكندر الأكبر ذات يوم وقال فيه: " لو لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين"، يذهب بالشرح والتفصيل إلى أن الثروة الحقيقية للإنسان لا تقدر بأمواله ومستغلاته بقدر ما تقدر بعدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش غير محتاج لها. فالقناعة كنز لا يفنى تجعل صاحبها عزيز النفس لا يهمه من أمر غيره شيئا، وانعدامها يجعل الإنسان ذليلا خنوعا مستعبدا لغيره.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق