بلمرابط المصطفى يكتب: آهات حزينة


                                     
1ـ وتستمر الآهات...و 'مِّي هْنِيّه' الأرملة العجوز...ملفوفة في جلبابها الرمادي الوحيد...المتهالك على جسدها النحيل من آثار البؤس والحاجة...,ومنتعلة "بَلْغَتها" المشقِّقة لكعبيها ...غيَّر الزمان الرديء لونَها الأقحواني...,
فتراها المسكينة... كعادتها... تتنقل من بيت الى بيت.. زائرة ... متفقدة.. باحثة...عن دفء...عن مؤازرة... عن شغل ...,
تذرف دموع تعاسة حظها اللعين..., تشكي آهات قدرها الحزين.....
آهات...هجرة ونزوح أسرتها قسرا...من العمق الداخلي للبلاد ...العمق الذي عانى لمدة جد طويلة من لسعات الجفاف المتكررة...، ندرة الأمطار...,شح في المحصول ...,انتشار الأمراض والأوبئة وسط الماشية والدواب...وكذلك استحالة الفوز بمورد عيش كريم ...,فنزحت معظم الأسر قهرا... الى شمال البلاد... تاركين أرضهم وموروثهم... باحثين 
عن لقمة عيش لسد الرمق...بأي ثمن...؟

°°°°
2ـ بعد رحلة طويلة وقاسية، استقرت 'مِّي هْنِيّه' واسرتها آنذاك.. بالحي القديم للمدينة...الأطلسية ...
ذات الطابع الفلاحي...الزراعي...التي اغتصبت أراضيها...واستعبد أبناؤها سخرة.. واستنزفت ثرواتها الطبيعية.. البشرية...لفترة زمانية ليست بطويلة...، سرعان ما انتفضت القبائل الأطلسية وأشاوسها الأبطال ...الثوار ...
الذين لقنوا العدو... المستعمر...المعمر... الغاشم دروسا في البطولات والتضحية ...في سبيل استرجاع حريتهم.. أرضهم.. استقلالهم... مازالت آثارها التاريخية المجيدة...شاهدة ومكتوبة بمداد الفخر والاعتزاز...
°°°° 
3ـ تلاحقت سنين البُؤْس والغُبْن الاجتماعي...، و 'مِّي هْنِيّه' حائرة... قلقة... بعد مرض... فاجأ أبوها...؟ 
وألزمه الفراش...؟ فعجز المعيل الوحيد...، واقْفِلَتْ أبواب الرزق...؟ وشٌلت الحركة...، فاضطرت 'مِّي هْنِيّه' آنذاك...
أن تخرج  للعمل ...للشغل...كشغالة بيوت...تنظف ...تطبخ...،وهي لازالت يافعة لا تتعدى السادسة عشرة من عمرها...، لتغطي مصاريف ومتطلبات الأسرة...،ولتجلب الكساء والغذاء والدواء...الى أن توفى أبوها متحسرا...حزينا...،
رغم ذلك كانتْ المسكينة ...شغًّالة... مُسْتَرْجلة...، تعمل بلا كللٍ ولا مللٍ...؛ الى أن شاءت الأقدار...، 
واعْجِبَ بها 'بوشعيب' ابن عشيرتها، فعشقها عشقا...، وأغرم بخفًّة ظلًّها غراما...، وأبهر بلسانها الودٌود...،
 وبنحافة بنيتها...، رغم قصر قامتها...وملامحها الخشنة...، فتزوجها ...، وأَنْجَب منها...تسعة أبناء أحياء... ذكورا واناثا...
°°°°
4ـ بعدما أنهى 'بوشعيب' خدمته العسكرية خارج الوطن...كمحارب...مُرْغَم ...مضْطَر...مع جيش المستعمر في حروبه القذرة...في أقصى الأصقاع المسلوبة...الممانعة...؛ زَادتْ.. وكثُرت مصاريف البيت والأولاد...، ولم يعد يكفي 'بوشعيب' معاشه الهزيل.. الذي يتقاضاه...
فقرر ' شْعَيْب' اللجوء الى العمل بمعية زوجته 'مِّي هْنِيّه' بالأسواق الأسبوعية المجاورة للمدينة...
كصاحب مقهى متنقلة...,فبعد صلاة الفجر من كل يوم...، يركب ' بوشعيب' عربته مسترزقا...، عربته المجرورة بحماره الأشهب...قوي البنية...؛ هذا ما ورثه عن أبيه... قهواجي الأسواق...،وكذلك بعض مستلزمات الشغل:
 خيمة سوداء تقليدية...مصنوعة من الصوف الممزوج بشعر الماعز الأسود اللون ومثبتة بحبال من نبات الحلفاء وأوتاد خشبية ...وحصائر من الدوم المحلي...، تتخللها رسوم ورموز صوفية حاملة للموروث الأمازيغي... الأطلسي...وأواني نحاسية وفضية تقليدية ...وصندوق خشبي مليء بكؤوس مختلفة الأحجام الملفوفة...والمرتبة في أدراجه ...
ومع الأيام اشتهرت 'مِّي هْنِيّه' بتحضير كؤوس الشاي المُنَعْنَعْ والقهوة السوداء الممزوجة بالأعشاب المنسِّمة ...بطريقة حرفية عالية...التي تجعل زبائنها المتسوقين منهم: الفلاحون ...الكسّابة...، يتلذذون طعم احتساءها مع الإسفنج البلدي الذي يتقنه زوجها "بوشعيب"... فتحسنت الظروف المعيشية واستقرت الأمور الحياتية اليومية...؟؟؟
°°°°
5ـ فتوالت سنين العِشْرة... بسعادتها وشقائها...، الى أن اكتشفت 'مِّي هْنِيّه' عادات زوجها المخلًّة ...، فانكشف لها أمره...، واتضحت لها سلوكياته...؛ فخيب آمالها...بعدما اقدامه بمعية رفاقه...، وبدون حياء ولا اعتبار...وبمقر سكناه...يا الخيبة والحسرة...، على إقامة سهرات خمرية ماجنة وجلسات للقمار...عاصفة...جارفة.. كلَّ محفظةٍ ...
جيبٍ ولو به دُرَيْهِمَات قليلة...
 فكانت للياليهم... كثيرا ما تُخْتَمُ بالعراك والسباب..، غير مبالين ولا مهتمين..، لا بحرمة الحي...، ولا براحة الجيران..، منكّدين...منغصّين...
ومرارا وتكرارا...، في آخر الليل، ترى "بوشعيب" ورفاقه الفاشلين...المتقاعدين...(المُمَشْكَلِينَ)... نفسيّا واجتماعيّا...، يجٌوبٌون أطرافَ الحيّ...الهامشيّة...المعروفة ب "الخَرْبَة"...، يعْتَرِضٌون سبل المارة...متسولين ...متلفظين... ومتفَوّهِين... بكلام سَاقِطٍ مٌخِلٍّ لِلْحَيَاء...؛ هذا ما جعل كل الجيران منزعجين...قلقين، يتقون شرهم المتزايد...ويهابون عربدتهم المتنامية...المتسكعة... طالبين من الله أن يكفيهم شرهم...؟؟؟
°°°°
6ـ توالت ليالي القلق والضجر حتى أصيب 'بوشعيب' بوعكة صحية حادة، نٌقِل على اثرها الى المستشفى...بالعاصمة...، فمكث به مدة طويلة و 'مِّي هْنِيّه' تقترض وتتحمل مصاريف الدواء والتنقل اليه...، كل جمعة ...، وهي محمَّلة بكل ما تراه...يٌعْجِب زوجها ويشتهيه...وكذلك لتطمئن عن حالته الصحية...؟؟؟
فبعد خضوع "بوشعيب " للفحوصات الطبية المستعجلة...، تبيّن لطاقم الطبّي أن المرض نخر كبده لإفراطه في شرب وتناول المشروبات الكحولية (تقليدية الصنع المحلي) ...، فزادت معاناة 'مِّي هْنِيّه'وزاد خوفها من المستقبل المجهول...
°°°°
7ـ ماهي الا أيام قليلة مضَتْ...، حتّى انطفأتْ شموع "بوشعيب"...، رحل الى متواه الأخير...، مخلفا وتا ركا وراءه...'مِّي هْنِيّه' والأولاد التسعة التعساء...، يعزّون أنفسهم ...، يبكون الفرقة الأبدية لمعيلهم...، مودّعينهُ...بقلوب حزينة كئيبة...، بوجوه شاحبة عليلة...، بمقبرة 'غْرِيبْ' الشرقية للمدينة...، داعين له بالرحمة والغفران..، بعدما أقيمت له جنازة كبيرة ...بدعم ...ومؤازرة ...من سكان الحي وعشيرته...
°°°°

8ـ بعد الفاجعة...، دفعت 'مِّي هْنِيّه' بأبنائها اليافعين الأوائل ...والذين فشلوا في متابعة مسارهم التعليمي...، ليتعلموا وليسترزقوا من الحرف التقليدية: كالخياط.. كحداد.. وكإسكافي ...، لتستمر الحياة...وليحظى صغارها المحظوظون بمتابعة دراستهم ...وليتمّوها ...في أمن وأمان...
ترعرع الأبناء في شرنقة 'مِّي هْنِيّه' الأسرية...، المحاطة بالخوف والحيطة ...، فلم يستطيعوا البؤساء...الاندماج والتأقلم والتواصل ...مع محيطهم الاجتماعي والثقافي...، سرعان ما انتفض بعضهم، بعد حصولهم على عمل وأجر قار...، ففتحوا بيوتا...، واستقرّوا...، واستقلًّوا بأسرهم ...، وغالبا ما يجودون عليها ببعض النقود...، لتغطية مصاريفها الحياتية...، ويزوروها في بعض المناسبات الدينية...، وأحيانا ...يكتفون بمهاتفتها...ليطمئنوا عليها...
°°°°
9ـ فترى 'مِّي هنية' كل صباح باكر...، حاملةً... اناءها البلاستيكي و متكأة على عكازتها الخشبية....، تعودتْ.. نساء الحي ملاقاتها...، وهن مستأنسات... بجلسات البوح المهموم ...وغدر الزمان التعس...، وهي تقصّ وتحكي... لفصول آهاتها الحزينة...، ولحاجتها إلى أبنائها...والى دعمهم المعنوي ...الأسروي ...، وهن منتظرات...، بشغف ولهفة ...، مجيء "عمّي سعيد" الفلاح الأصيل المحبوب...، وهو محملاً...، كعادته...، بكل مشتقات الحليب الطبيعية...، من زبدة...وحليب طري...وبعض الخضروات والفواكه الموسمية... وكذلك بعض الأعشاب المحلية...وتستمر المعاناة...

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق