محمود ايت الكاتب يكتب: كَـاتبٌ إِيْ والله! رسالتي إليك أيها الكاتب


رسالة مفتوحة للكاتب الرسالي العالمي أينما كان، في أي حلة وفي كل بقعة كان..
الى ذلك المُتسامي الذي يخدم الانسان ويحمل في ضلوعه رسالة المعنى الجديد للعالم. 
----
خَـرَجَـتْ وَلَـمْ تَـخْرُجْ 
هَـاتِـهِ الأَلْفَـاظْ مُـبَـعْـثَـرَهْ.. مُـتَـشَـظِّـيَـة
نُـطِـقَـتْ وَلَـمْ تُنَظَّمْ
هِـيَ هَـكَـذَا أَمْـسَـتْ وَأَصْـبَـحَـتْ
وَسَـتَـسـِيـرُ فِـي الزَّمَــانْ 
فِـيـهَـا بَـعْضٌ مِـنَ التَّلاَوِيين الـفَـلْـسَـفـِيـة 
وَالـتَجْرٍيدَات النَّـفـسِـيـة 
الـقَابعة في الداخل 
متلولبة .. غامضة 
صريحة الصدح 
الآيلة للخروج 
تلك هي رسالتي 
لك أيها الرسالي 
الى الانبعاث من جديد 

عندما تدفعني الأسباب الكامنة في وجداني للتعبير عما يخالجني من أحاسيس وشعور، ينتابني قلق داخلي أول الامر، خصوصا عندما كنت أرتل كلام غيري ونحته في قالب من صُنعي. ورغم ذلك إن أتيحت لي الفرصة فسأعاود الكرة التي عكفت فيها لمدة صيف كامل على الكتابة، إلا أنني هذه المرة أستند بشكل كبير على مبدأ القَصَدية بجانب المتعة والفكر والثقافة، وأزيد هذه السنة دخول الشعر والرومنسيات في قوائم نشري.
لكن رغم هذا وذاكـ، فإن القلق يزداد وترتفع حدة التنفس لمَّا أسأل نفسي متى أطبع التفرد والألق لأكون يومها كاتبا ألمعيا كما جاء في صورة حلم يوم ما!
إنه ذلك القابع في دخلي الذي يستكنه الوجود وهو رائد في حقله يصعد في معراج التحرير والابداع، يقظ، شجاع وجريء.
إنه لم يخرج بعد للوجود، فلطالما أيقنت أن في داخلي عناصر محورية تترابط لتشكل ذاك الشخص المغمور.
قوانين الكون ونواميس الوجود كلها في حركة وفي امتداد شاسع عبر ثلاث محطات أخطو نحوها وأثناءها ومستشرفا لها، الماضي والحاضر والمستقبل.
كما قلت أن الكون يسير في حركته الدينامية نحو الاتساع الدائم "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونْ" الذاريات: 47 
   أعلم أن رؤاي قاصرة الأمد حاليا لكنها ليست قصيرة الأبد، فأحلامي تولدت من نبع نقي صافي، وولدت في روح السماء لأنطلق نحوها وأتجه صوبها بكل حب ومودة وشجاعة، إنها هناك، ما علي سوى التوجه خطوة خطوة حتى أصل!
سأحاول قليلا الابتعاد عن العبث الميتافيزيقي الذي يغلغل نفسي عن وجودي الكائن في ذاتي. سأتصالح مع ذاتي أولا لأقدم فيما بعد محتويات جديرة بالاهتمامـ، سأضيف، سأُغْني، سأعاود التركيب، سأحاول وأحاول الكرة تلو الأخرى حتى أطبع سمة التجديد على جبين المكتوب، غلافه، وباطنه.
سأتحاشى النظر عن المُبتذل والمُتَصَنَّع. أتكلم هنا عن حقبة الاستهلاك، نعم سأساير التيار قليلا في قوته ولن أقاومه بل سأستعمله لصالحي، نحن بارعين في تفسير ما لا تفسير له وحشد المفردات المتداولة أما هذا الذي أتحدث عنه فهو التذوق الفطري للمعنى في تجديد ماتع يسرح بالخيال ويحرك الأشجان صوب الأمل، لفظ بلا معنى أنا إن كنت مبتذلا. سأوظف حواس الادراك وأضيف لها النقد والشك والتمحيص لعلي ألج سم الخياط.
سراب أنا إن لم أقل الحقيقة وقلت غلافها الشفاف الخادع، نعم لفظ بلا معنى!
لا أستطيع لبس كل الملابس في كتاباتي ولن أستطيع مهما حاولت، فلو حاولت لأفسدت على نفسي متعة الاكتشاف والفضول المتجدد. أعترف بهذا الفضل الذي يتيح لي على الدوام التذوق في مناطق مرتفعة مع أرواح أخرى، مناطق لا أخاف من رهاب المُرتفعات فيها بل تخاف المرتفعات من سقوطي عليها. البعض الكثير من جوقة الأدباء يفوقني جمالا وبهاءاً. جمالا في الروح والتصوير والمعنى، والكثير من البعض يفوقني مِقداراً وقاعاً واغترافاً. لا أنكر أن تلك سُنَّةُ الله في الأرض، "َولنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً" كما قال لي أحد الأشخاص الغرباء "من فاتك بليلة لم يفتك بحيلة ولكن فاتك بتجربة، فانظر مقدار التجارب بينك وبين من يفوتك في السن!" 
بيني وبينكم التجارب والسنون، وأكثر من هذا، يجمعنا التذوق. دائما رائدي الفطرة التي خُـلـِقَتْ في طينتي كوني أحمل عنوان الإنـسـانـيـة في طويات روحي، من جوربتي أهدي أجمل الكلم دون إسفاف وابتذال، الفطرة الجمال، أي جمال!
لم أكن أعلم يوما أن تذوق الشعر سيفضي الى الشعر، ولم أتوقع أن الموسيقى الروحية ستقبع في كوامن الوجدان كالبرزخ، لم أتوقع العديد من الأشياء وأحدها الذي كان بعيد عن الخيال بأن أصير كاتبا أحمل هاته الرسالة في جعبتي!
كان الكُتَّاب في عهد الملوك الغابرة من ذوي القُربى وكان لهم شأن كبير وكعب عال في شؤون الدولة، وربما لا يزال ذلك في يومنا هذا، كتاباتهم وتوجيهاتهم واغترافهم من شتى العلوم والأدب وجل أعمالهم بحذافيرها كانت تصب في قناة التوجيه نحو الأفضل وهو التنوير، وهو ما يوحي في حد ذاته برسالية المعنى في بواطن المكتوب، تلك القناة تجري مياهها اللامعة والمتلألئة، فبعض ما يكتبه الأغيار يشكل قطعا ماسية لا يخزنونها في خزائن وعيهم بل هي مرسومة في الأفق موضوعة تحت ضوء الشمس أمام مرأى الجميع!
ذلك هو ربما معنى من معاني "أَكُونُ فَرَطاً رَائِداً مُنْهِضاً" الكثيرة الذي يترآى للنفس في سمو إحساسها الداخلي، لم أتخيل أن أصير مثقلا بهاته الرسالة التي سألوم نفسي إن لم أجعلها من المقدسات السامية يوما من أيام الدهر السائرة في عمق الذات.
لم أتخيل أن أصير كاتبا وأنا الذي كنت أجد في الكتابة نوعا من الازدراء. ربما في تلك الفجوات الزمنية لم أكن أعي مِقدار الرسالة بسبب تصريف الجهد في مخارج أخرى غير القراءة والتحليل، إلا أن عامل النضج في جوهره الزمني قد يلعب أيضا الدور في هذا الأمر! 
لم يكن يقع في الحسبان أن تركيب الذات الواعية سيكون من جمل، عبارات، كتاب هذا وشذرات الآخر. أجل، إنها العالم الذي يسافر في بقاع الذات وليس الذات التي تسافر في عالمه، هي العالم الذي لا يفنى وهي التي تشكل الخلود الأبدي ما دام يقبع هناك في الجوهر ليشكل شخصية الفرد!
القراءة!
إذا أخذنا القراءة من المنظور الايماني وفي لغة القرآن نجد أن الضربة الأولى منذ الوهلة الأولى كانت "إِقْرَأ"، فعل ممتد في الزمان والمكان. نعم إنها القراءة، عنوان ذات الشخص ومُرَكَّبُهُ الذي يبحث من خلالها في ذاته عن ذاته!
ويرسل من خلالها إشارات الذات لذاتها لسد العالم المُجوَّف الذي يعيشه الانسان في دواخله، هو قِبلة السير والمُبتغى، أنى أن يكون ذلك إلا من خلالها والكتابة. الانسان ذلك الكائن الذي يسير وفق قلم القُدْرَة الأحَدِيّة في خارطة الوجود بجوربة إيمانه، بقلم فهمه، بعقل قلبه يستكنه، يتشرب ويسعى نحو الخلود وفُسَح الجمال.
وفق هذه الرحلة التي يخوضها الانسان عبر القراءة يكتشف ذاته في شكل قطع مُتشظية، في كلمات متقاطعة، يركبها له الزمن والنضج. هي رحلة أيما رحلة! نافذة على بوابة العالم هو الانسان الكاتب الذي يقرأ ويكتب في صوغه الجمالي وحرقته الرمادية الداخلية، يصوغ الحياة في قالبها المادي والمعنوي ويقدمها في رشف فلسفي بديع وقالب أدبي جمالي يزداد حسنا وجمالا وبهاءاً.
وفق هذه الرحلة يطل على أشراف ال "هناك"، ينبش في براثن الدهر الغابر، يلْقَى نمطه الخاص به في مختلف الصنوف. إنه القوة الحضارية الذاتية في ذاته، حقا لو طغت إنسانية الكاتب في ذاته لكان هو الحضارة بذاتها!
إي والله، هو المدعوم بالوحي "وَلَقدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ". هو رافد التميز ذلك الانسان/الكاتب الذي يحمل في أعماقه رسالية مؤنسنة لا تتشيأ بطابع ما يحيط به. فالكاتب الرسالي "إبداع خارج عن النسق" في حد ذاته إن نفينا كونه مُبْدِعاً وأخذناه تعريفا للإبداع في حد ذاته! 
فإذا كان الكاتب/الانسان و الانسان/الكاتب – و كلاهما يقبعان في الذات الواحدة – يرمي بإبداعه إعادة تشكيل العالم وبنائه كما هو يراه، فالصيغة المُثلى لعمله تَكمنُ في توليف فرادة ما رآه مع المتذوقين .. وهنا تجترني نفسي الى الاعتراف الساذج أمام مرأى الكل وأمام من يسمع هذا الكلام بصوته الدفين في داخله إلى أن الكاتب باعتباره كاتبا رساليا يجب الاعتراف بفضله وعمله في الحياة الإنسانية ككل، لكن لا أعلم التهكم الذي يستجدي التنويه ب "فلان" كونه يكتب في "مدونة" شهيرة أو يكتب في صفحة رائدة، كلا وألف لا !!!
منذ أن ضايقني هذا الأمر حسمت فيه بشكل نهائي فأعطيت الاعتبار لمن يستحق من الكُتَّابْ ولو كان في عمر العاشرة!
الأمر ليس مزحة، فالكثير من الغثاء "يُقَدِّرُ" الشخص ما إن يُعرَفَ في أحد الأسماء أو العناوين الشهيرة، هو الخطأ بعينه ذاك، لذلك تحية الإخلاص وشموس المودة المُشتعلة لك أيها الكاتب الرسالي الذي يسعى للإنسانية، ما اشترط في ضرورياتك وما اختلط بدمك سبب من أسباب بناء حضارة ذاتِك المُفعمة، بانياً بذلك حضارة العمران والانسان!
إي والله أنت الكاتب وأنا أنت، أنت أنا وأنت كياني الذي يسكن الوجدان عبر سفر الكلمة.
أعلم أن التكهنات كثيرة والأقاويل أيضا كذلك، لكن رسالية المكتوب تخُطُّها وتَسْهَرُ عليها ومعها وتَألُ جهدا في كتابتها من نسيجك الرائع، تنسجها أناملك التي تستمد الوحي والالهام وتترك في كثير من الأحيان متعة اللحظة على حساب الواجب، تقضي الساعات والدقائق تشحذ القلم ويجف، وتشحذ ويجف حيناً بعد حين!
لكل كاتب وقته البيولوجي الخاص به الذي يحرر فيه إبداعاته على الطروس، ويطلق العنان لِلَبِنَاتِ أحرفه التي يستعيرها من نجوم آلامه ومآله على نقيض المأساة والبؤس. إنه هناك يدع بنات أفكاره تسافر دون مَحْرم نحو الآفاق لتصل إلى القلوب الحرة والعقول الطموحة. لا يوجد كاتب في الأرض لا ينشد الطموح ولا حتى الأرض ترضى بوجود كاتب غير طامح فوقها! 
لا يرضى الوجود بِطَمُوحٍ لم يكتب قصته أملا في التحفيز والدفع للأمام وخدمة الانسان.
إليك أيها الكاتب كانت هذه بعضا من خلجات القلب التي كتبتها بخفقان للامتوقف لتعلم أني معك قارئ، متذوق، متتبع، مُقدِّر، ومشجع.
إليك أيها الكاتب تسعى جهودي لنقل الكلمة من أشجانك وتطلعك نحو السمو، لأنني أعلم تمام العلم ما هو ممزوج في طينتك.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق