محمود العكري يكتب: ذكاءُ الريف في مواجهة استبداد المخزن


لدينا مَثلٌ هناك في أعماقِ الجبل يقول:
" الهَدْرَة مَع يمـاك بلا نآيَة كدحشم " 
ومعناه أنّ الكلام معك مخجل جداً دُون أن تكون في يدي هراوة. 
لعلّ هذا القولَ ينطبقُ ولو رمزياً على ما يحدثُ في الريف هذه الأيام، هناك حيثُ قُدّر لبائعِ السمك أن يغادرَ الحياة تاركاً خلفه رسالةً للشعب كله مؤداها: 
" إنّ محسنٌ بائعَ السمكِ مغادرٌ .. فويلٌ لكلّ من قبِلَ بعديَ الذلّ شعارٌ "
ولعلّ طاحونةَ الإنسانِ تلك " شاحنةُ الأزبال " قد كانَ مقدرٌ لها أن تعصرَ زيتَ شرارةِ الغضبِ الشعبيّ بعدَ عديدٍ من الأحداث التي شهدها الوطن في الأيام الأخيرة، من اغتيالات واعتقالات عشوائية ونفيٌ خارج البلد ولجوء سياسي وحرقُ الأمّ لذاتها وسط الشارع إلى غيرِ ذلك من الأحداث المأساوية التي وقعت بخطى متسارعة جداً، لترمي بهِ إلى الشارع العام. 
كما أنهُ باتَ من الواضحِ جداً لدى الطبقة العامة رفضها التام الخضوع للقولِ الذي كانَ سارياً العمل به لمدةٍ طويلةٍ من الزمن، هذا القول الذي وجدَ لهُ مكاناً راسخاً داخل الجمجمة المغربية والذي يوجد فيه:
 " اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان "
فما عادَ في قلبِ المواطن متسعٌ للصبرِ على ظلمِ بلادهِ ولا أيضاً على الفرارِ بحثاً عن الجنةِ في بلدانِ الآخرين، وهذا ما يوضح تماماً الوعي المتواضع الذي باتَ يفقههُ الجاهلُ قبلَ المتعلم بأنّ الحلّ لكلّ هذه الأزمات هو مواجهتها لا الهرب منها كما فعلَ ذلكَ أجدادنا الأوائل الذي رضوا بشعارات فاسقةٍ وقاسيةٍ حتى أنه تم نقل هذه الشعارات لحجرةِ كلّ مواطنٍ مغربيّ بسيط، حيثُ يكفي أن يخرجَ البعضُ للشارع من أجلِ المطالبة بحقوقهم حتى يصرخَ البعضُ الآخر في وجوههم: أ تريدون أن يحصلَ لنا ما حصل في باقي البلدان العربية؟ احمدوا الله على الهدوء الذي تنعمون فيه! إلى غيرِ ذلك من الأقاويل التي تنمُ عن الجهل والتخلف وعن أنّ الإحتجاج والمطالبة بالحقوق والأولويات خزيٌ وعارٌ وشيءٌ يجلبُ الدمّ لا غير. 
صحيحٌ جداً أننا واعونَ تماماً بمدى الضرر الذي قد يحصلُ لهذا الوطن إن هو تم شحنُ المواطن البسيط ضدَ نفسِ جنسه وصنفه الآخر، كما أنه لا يخفى على المغربيّ اليوم بالكوارث التي قد يخلفها الشعب ضد الشعب، وأن المتضرر الأول والأخير هو الشعب نفسه. 
سيقاتلُ الجنديّ البسيط أخوه وأمه وعمه وخاله وعائلته، سيعتقلُ الشرطيُ العادي أيضاً أفراداً من أحبابهِ، وغيرُ ذلك من الأحداثِ الدرامية والكارثية والتي نسعى جاهدين إلى أن تفاديها، لكن هذا لا يدعم العقليات التي تؤمن بنظريات المؤامرة والإستهداف.. لأن الشعبَ المغربيّ اليوم على علمٍ تام بما حدث في باقي البلدان، وبأن الحرب لا تؤدي سوى للدم والقتل، وهذا بالضّبط ما نلاحظه ولاحظناهُ منذُ انطلاقة الشرارة الشعبية في مدينة الحسيمة. 
لا تشكل الحسيمة استثناء، وذلك تماشياً مع مقولة ' الإستثناء المغربي ' إذ لا زلنا نتساءل لحد الساعة عن ماهية هذا الإستثناء ومنجزاته! 
بل للريف خصوصية مِكيافيلية عرفتْ كيف تمتصُ غضبَ الجماهير ليخرجَ الجميع للشارع تحتَ شعار واحد وهو: نَحنُ لسنا انفصاليين كما تدعي سيادتكم، لكننا أحرارٌ ولن نركع للعبودية، ولا نطالبُ إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية لهذا الإقليم الذي ظلّ مهمشاً على مرّ تاريخ المغرب، على الرغم مما قدمهُ أبناء هذا الإقليم من تضحيات خلال فترة الإستعمار من أجلِ نفسِ هذا الوطن الذي خرج اليوم للإحتجاج على من يعتلون سدة الحكم والسلطة. 
هذه الخصوصية تتمثلُ بالأساس في الإتفاق حول الملف المطلبي الشعبي والمتوحد بينَ كلّ المحتجين، ضِف على ذلك شخصية ناصر الزفزافي القيادية ذات الكاريزما القوية التي استطاع عبرها أن يسيطر على المعركة ليصبح بذلك القائد الأول والمثال الذي يحتذي بهِ ويمشي خلفهُ وخلفَ قراراته كلّ الشعب الريفي. 
وهذا بالأساس هو العامل الأساسي الذي أدى لنجاح الثورة الريفية، حيثُ لم تعمد إلى مواجهة العنف بالعنف، ولا إلى الخروج بعبارات متطرفة تقصي الآخر، ولا أيضاً الخنوع لواقع الحال المرير. 
أي أنّ الإتحاد بين فصائل الريف وأبناءه تحت ملف مطلبي وتحت قرارات شعبية تساهم فيها مختلف الهيئات المستقلة والبشرية بدءاً من الطفل للمراهقة للأم للعجوز..
كما أنّ شعار " سلمية الاحتجاجات " الذي تم حملهُ منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في الريف يعدُ عاملاً أساسياً في جعل الدولة تضربُ ألف حساب وحساب قبل أيّ تدخل همجي في حق المتظاهرين الذين لم يقوموا إلا بممارسة حقّ من الحقوق التي يحفظها لهم الدستور المغربي، أي التظاهر السلمي والخروج للشارع بغية إيجاد الحلول الممكنة والناجعة لتهدئة الأوضاع، وكذلك ليأخذ كلّ ذي حق حقه. 
هذا الذكاء الريفي والذي أعتبره الخصوصية الرئيسية التي يتميز بها الإقليم هو ما جعل الدولة تواجه نفسها بنفسها وتعيدُ تقييم الأدوار التي يجب عليهم الإسراع في القيام بها والتدخلات اللازمة لتهدئة الأوضاع الأمنية هناك. 
وبدلاً من فتح النقاش الجاد لإيجاد الحلول المناسبة، عمدت الدولة كعادتها لعسكرة الريف، هذا الإقليم الذي لا يعد إقليمياً عسكرياً، وذلك كرد على أيّ اندلاع خطير قد يحدث فجأة هُناك، في الوقت الذي كان الريفيون ينتظرون فيه أن تفتح الدولة مجالا لمناقشة الملف الشعبي مع نشطاء الحراك. 
وهذا ما زادَ من شد وتيرة الإحتقان، خصوصاً وأن الحراك في الريف لم ينحو لحدّ الساعة إلى الشغب والعنف ضد باقي الأجهزة القمعية التي تنتظر بفارغ الصبر أن ينحو الريفيون نحو هذه الخطوة لينهوا القضية بحمامات الدم. 
إننا اليوم نعيشُ خطوة مفصلية وجبَ على الدولة بكلّ مؤسساتها ان تعيها وتفهمها جيداً، هذه الخطوة متمثلة أساساً في أنّ الشعب المغربي لا يريد حروباً تعيدهُ للوراء آلاف السنوات، بل يريدُ فقط محاربة الفساد المستشري في البلاد وتحميل المسؤولين المسؤولية على كل ما ارتكبوه من جرائم بشعة ولا إنسانية اتجاه هذا الشعب المغلوب عن أمره. 
نقولها اليوم ونتحمل كامل مسؤولياتنا في ذلك، لم نعد قادرين كشعب واعٍ ومثقف على الرضوخ للأساليب اللانسانية التي لا زال يمارسها النظام في حقنا، كما أننا لا نريد في نفس الآن الدخول في تجارب الحرب الدموية التي لن يستفيد منها إلا كبار أباطرة هذا الوطن والمتربصين به، لكننا نريدُ حقنا كاملاً دون أيّ تهاون مع الملف المطلبي الشعبي. 
فالشعب اليوم باتَ شعبا، وعلى الدولة أن تحترمهُ وتحفظَ كرامته كشعب لا كعبيد، إننا في القرنِ الواحد والعشرين، ولا نود شيئاً غير أن نكون أناساً لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم أو أن نُقتل بكرامة وعزة.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires: