عبد المنعم كموني يكتب: إحراق الكتب في الثقافة العربية..نزيف ناعم وطمس هوياتي


"والله ما حرقتك حتى كدت أحترق بك "، هكذا قالها أبو سليمان الداراني وهو يهم بحرق كتبه في تنور، وبقوله هذا لخص الداراني إحساس كل النقاد والأدباء والفلاسفة و... ممن قاموا بفعل الإحراق أو الإغراق لكتبهم.
         إن القارئ للتاريخ العربي، قديمه وحديثه، يقف ثاغر الفاه أمام هول ما يرويه من حرق وتغريق للكتب والمخطوطات، وفي هذا المقال سنقف بحول الله عند أعمال حرقت وحرّقت، فشكلت بذلك لحظة من لحظات الوجع وإحساس الفقد التي عانها العرب والمسلمون.
يعتبر أبو حيان التوحيدي من أبرز رجالات الأدب المحرقين لكتبهم، وذلك نتيجة الإهمال الذي طاله بسبب نبوغه الذي سبق به زمانه، ويوصف فعله هذا بأنه اقتداء بالفقيه الزاهد داوود الطائي (الملقب بتاج الأمة) الذي ألقى بكتبه في البحر، والزاهد يوسف بن أسباط الذي وضع كتبه في غار وسد عليها، وسفيان الثوري الذي نثر كتبه في الريح قائلا :" ليت يدي قطعت ... قبل أن تكتب حرفا". ونجد قاضي الموصل أبو بكر الجعاني (ت 355هـ) الذي أوصى بحرق كتبه بعد وفاته، كما حرقت مكتبته أيضا. وعلى شاكلتهم سار شيخ أهل الشام أحمد بن أبي الحواري (ت 246 هـ) الذي روى السلمي في كتابه "تاريخ الصوفية "أنه طلب العلم ثلاثين سنة، ثم حمل كتبه كلها إلى البحر، فغرقها، وقال: يا علم، لم أفعل بك هذا استخفافا، ولكن لما اهتديت بك استغنيت عنك. أما ابن كثير فيروي حكايته في كتابه " البداية والنهاية "، ففي زمن المأمون بدمشق، حيث امتحن العديد من العلماء في قضية ما سمي   " محنة خلق القرآن"، حيث أجاب العديد منهم عن القضية إلا ابن ابي الحواري رفض الإجابة، فحبس في داره، وتحت التهديد أجاب مكرها. وقد قال بعد إلقاء كتبه في البحر: " نعم الدليل كنت لي على الله عز وجل وإليه، ولكن الإشتغال بالدليل بعد معرفة المدلول عليه والوصول إليه محال".
وفي بغداد، امتدت يد التتار بالحرق لبيت الحكمة ومكتبات المدينة، لدرجة اغتسال نهر دجلة بمداده، ومن المؤرخين من قال بسواد النهر لستة أشهر بفعل المداد. أما دار الحكمة التي أنشأها الفاطميون بالقاهرة، والتي شكلت منارة المذهب الشيعي فترتئذ، فيقال إن صلاح الدين الأيوبي قد أمر بإحراقها، لكن يؤكد العديد من المؤرخين (قاسم عبده قاسم نموذجا) أن صلاح الدين الأيوبي بريء من تهمة الإحراق، وما قام به هو تعطيل دورها في نشر المذهب الشيعي فقط، بل العثمانيون لحظة غزوهم لمصر عملوا على نقل أغلب ذخائرها من كتب ومخطوطات، ولا تزال محفوظة إلى يوم الناس هذا بمكتبات إسطنبول. ولتسمح ـــ قارئي العزيزـــ بأن نتوقف لوهلة عند هذه المأساة المستنبطة من هذا الحدث، أليس من المعيب أن نسمع عن كتبنا ومخطوطاتنا محفوظة في غير المكتبات العربية، أو أنها هاجرت إلى إسطنبول وباريس ولندن ومدريد والفاتيكان ... لدواعي سياسية تدل على نذالتنا وقيمتها المسترخصة عندنا، أم أن بلوغنا ذروة المعرفة والتطور هو الدافع لإغداقنا على الآخرين بموروثنا وتصديره إليهم من أجل تنوير دروبهم، فصانوه وقتلوه بحثا، وفي الأخير صنفوه في خانة الذاكرة الإنسانية المحفوظة برفوفهم.
وبالعصر الحديث، تجددت المأساة لكن بممارسات وسيناريوهات مغايرة، ففي العام 1992 قام الصرب بإحراق المكتبة الوطنية بسراييفو، وهي المكتبة الملقبة ب"جبل المعرفة". أما بمصر، فقد حرق المجمع العلمي بعد اشتباك بين محتجين والجيش إبان أحداث عام 2011، وهو ما أدى لإتلاف أكثر من 100 ألف كتاب، منها ما هو نادر ككتاب "وصف مصر".
كما حرقت مكتبة ناصر خاسنو بأفغانستان من طرف عناصر طالبان، وكان بها أكثر من 55 ألف كتاب. وفي العام 2013، بمالي، أحرق رجال القاعدة هناك نحو 700 ألف مخطوط بتومبوكتو.  وبالعراق، لا يزال تنظيم الدولة مستمرا في سلسلة بشاعاته، حيث أحرق آلاف الكتب التي تمكن منها في كل من نينوى وديالي، وهي كتب صادرها من مكتبات عامة وخاصة.
    عود على بدء، كثيرة هي التفاصيل والمعطيات لهذا النزيف الفكري والعلمي، وقد تتعدد الأسباب وتتكاثر لكن النتيجة واحدة، أمة يضيع تاريخها وأدبها وعلمها، بنثر في الرياح و إحراق بالنار و تغريق في الأنهار، فإلى متى سيتوقف هذا النزيف ؟.

عن يونس برداعي

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق