أسامة الخراط يكتب: الاستغفار فرويد FMRI

دائما ما أسأل نفسي مستغربا عن أهمية بعض العبادات البسيطة التي يطلبها منا القرآن والحديث بشكل كثيف جدا، ولاحظت أنها تتكرر أيضا بأشكال وتسميات مختلفة في كل المذاهب الروحية التي قرأت عنها. ومن هذه العبادات سلسلة مترابطة من عبادات يأمرنا الإسلام لتكون عادات يومية، ومن أهمها: الاستغفار، التوبة، المراقبة، الإحسان (أن تعبد الله وكأنه يراك)، الاعتراف بالأخطاء والمحاسبة: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا". ولو أردت أن أذكر الآيات والأحاديث التي تحض على هذه العبادات، فسنجد عشرات الآلاف من الآيات والأحاديث والآثار، فحتى الرسول نفسه كان مثلا: "يستغفر الله في اليوم سبعين مرة"، وبصراحة شيء ملفت للنظر لماذا كل هذا الكم الهائل من التركيز على هذا الأمر؟ ولكن عندما بدأت أقرأ في علم "التحليل النفسي" الذي بدأ فرويد في التأليف فيه حوالي عام 1930، وعلم طب الأعصاب الذي بدأ يتطور ووصل ذروته مؤخرا باختراع آلات: (التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI ) التي تجعلنا نراقب الدماغ وهو يعمل، ونرى بنفس اللحظة التي نتخذ بها أي قرار كيف تمشي السيالات العصبية وتتدفق في الدماغ لتتفاعل مع بعضها وتتخذ القرار بسرعة مقاربة لسرعة الضوء، وكل قرار يحتاج هذه الآلية، ولو كان: حمل كوب شاي وشربه، فهو يحتاج مئات مليارات التدفقات الكهربائية العصبية في كل جزء من الثانية ليتم بشكل صحيح، فلا تشرب أسرع أو أبطأ من اللازم فيحرقك الشاي، ولا تهتز يدك وتتعادل قوة يدك مع وزنه وسرعته في الحركة، وحركة هذه السيالات الكهربائية عندما تم تصويرها تشبه تماما مشهد السماء المليئة بالنجوم والأضواء المختلفة في التوهج والحجم والحركة والتشابك فيما بينها في مشهد بديع جدا. هنا بدأت أفهم أهمية هذه العبادات، وسأرتبها لك في دائرة حسب التالي: 1- مراقبة 2- محاسبة 3- استغفار وتوبة 4- الكف عن الذنوب والمعاصي. ويأتي هنا دور علم الأعصاب ليقول لنا كيف يعمل الدماغ ويشرح لنا أهمية العبادات وهذا الترتيب لها، وأنها ضرورية لتطور البشر، بل هي تجعل من يلتزم بها يوميا، شخصا غاية في النجاح المادي والمعنوية وقمة في الانضباط والإبداع، وستتمنى كل مؤسسة أن يعمل معها مثل هذا الشخص، وإليكم القصة: يظن الإنسان واهما أنه هو من يتخذ كل قراراته في هذه الحياة بشكل واع، يعني يقابل قضية معينة فيفكر ويتخذ القرار بشأنها، مثلا يرى تفاحة يفكر أنه يحب طعمها ويفكر أنه جائع ويتخذ قرارا ويأكلها. ولكن الاكتشاف المذهل أن أكثر من 95% من القرارات لا نأخذها نحن بشكل واع، بل يوجد آلية في الدماغ تسمى العقل اللاواعي هي من تتخذ هذه القرارات، وهي تشبه خاصية الطيار الآلي في الطائرات، التي يُشغله الطيار وهو سيقود الطائرة لساعات طويلة، بحسب البرامج المخزنة بداخله، والطيار يستمتع بوقته ولا يعرف تفاصيل كل القرارات التي اتخذها ذلك الطيار الآلي والتي قد تكون بعشرات الآلاف، ولن يتدخل الطيار ما دام كل شيء يسير بشكل جيد ولا إشارات حمراء أو تحذيرات تنبهه لأي خطر. نفس الآلية ولكن بشكل معقد جدا يتمتع بها الإنسان، ولكن الاكتشاف المذهل أنها نعمة كبيرة جدا من الله، ولولاها لكانت الحياة مستحيلة، فالعقل اللاواعي هو المسؤول عن إدارة الجسم كاملا وعن ردات الفعل التي يجب عليه أن يأخذها بشكل فوري وحتى قبل أن يفهم العقل الواعي ماذا جرى، فالعقل اللاواعي لا يعطي القيادة للعقل الواعي إلا في حالات قليلة منها مثلا: حالة الإحساس بالخطر الشديد، أو الانتباه لوجود فرصة مغرية لهذا الشخص، والفصل بين تضارب قرارات النفس والعقل
ما عدا ذلك يقوم العقل اللاواعي بأغلب الوظائف والتي أهمها هي: إدارة أعضاء الجسد، مثل: القلب والدورة الدموية والهضم وضخ الهرمونات، وتجديد الخلايا، ومئات مليارات العمليات التي يستحيل أن يتخذها الإنسان بشكل واعي، فتصور معي لو كنت محتاجا لإعطاء أمر لعضو واحد فقط وهو قلبك لينبض في كل دقيقة عدد معين من النبضات، ستكون حياتك مجرد جحيم وقلق لا ينتهي لتنظم هذه العملية فقط. فالعقل اللاواعي يقوم بمهمة هائلة في تنظيم حياتك كلها وردات فعلك كاملة، ويحفظ ويخزن بشكل متسلسل الإجراءات التي يجب أن يقوم بها في كل أمر أنت تحتاجه، وهو يبدأ العمل من أول بداية تشكل حياتك في بطن أمك، ويعمل بكامل طاقته في أول سنوات حياتك حتى يخزن الاجراءات اللازمة حين تأكل وتشرب وتتحرك وتمشي وتفكر وتتألم وتتعلم وتبتعد عن الخطر وتتعرف على الطيب والنافع والخطير من الأمور.
هذه الخاصية شيء مذهل حقيقة، وسأضرب لك مثلا للتوضيح أكثر كلنا مررنا به، أنت تحتاج لتقود دراجة هوائية أو آلية في أول مرة، لبذل جهد وانتباه كبير، لأن العقل اللاواعي يقوم ساعتها بتسجيل كل الأمور التي يحتاجها هذا الفعل من: التوازن والتحكم بالمقود والنظر للأمام، ومتى يجب أن تكبس على المكابح وعشرات الأمور الأخرى، ولكن بعد فترة من التدريب وبفضل العقل اللاواعي أنت ستقود الدراجة ل 10 كيلومتر من عملك لبيتك وبدون أي تفكير، وربما تصل لبيتك وتكون عبرت عشرات الشوارع والمفارق والسيارات، وستقول لنفسك لقد كنت شاردا ولم أفكر فكيف وصلت بهذه السرعة؟؟ قل شكرا إذن لعقلك اللاواعي فهو من ساعدك وقال لك: هذا أمر تعلمناه وأنا سأقوم به لوحدي، أرجوك انطلق وتعلم شيئا مختلفا وعالج الأمور المهمة التي نحتاجها في حياتنا، أو اتخذ قرارات الفصل التي يختلف عليها النفس والعقل، فمثلا نفسك تقول لك أنها تحب الشكولاته، وعقلك يقول لك أنت يجب أن تعمل حمية وتخفف من السكريات، ساعتها يتدخل العقل الواعي لتكون له الكلمة الفصل، وكذلك نفسك تحب المال السهل مثل الغش والسرقة، وعقلك يقول لك أنه بهذه الحالة سيكون مالا حراما، ساعتها عقلك الواعي هو من سيتدخل ويحسم الأمر. نفس التقنية للعقل اللاواعي هي تماما التي تستخدمها في اتقان القراءة والكتابة والفهم، فمثلا فهل تعرف كم تحتاج من جهد عقلي حتى تقرأ بلغتك الأصلية؟ أرجوك حتى تقدر صعوبة الأمر لو كنت تتعلم لغة جديدة لاحظ الصعوبة التي تعانيها في قراءة صفحة واحدة، وساعتها ستعرف كم الجهد والخطوات التي قام بها الدماغ في أول تعلمك، وكم الخطوات التي خزنها في اللاواعي، حتى أصبحت تقرأ الكلمة بأقل من أجزاء الثانية وتفهمها وتربطها بما قبلها وبعدها، وهناك من يطور هذه المهارة ويُسجلها في العقل اللاواعي بسرعات كبيرة، فيستطيع قراءة كتاب كامل خلال ساعتين، وبدون بذل أي جهد إضافي كما أظهرت ذلك سجلات التصوير الدماغي FMRI ، بينما يحتاج الشخص العادي ليوم كامل لقراءة نفس الكمية، وهذا حتى نعرف عِظَم هذه النعمة المسماة العقل اللاواعي، ولو أردت أن تعرف سر أي موسيقي أو لاعب رياضي محترف يتقاضى عشرات ملايين الدولارات، حتى يقدم للناس عزفه أو لعبه، فاعلم أن كل ما فعله هو تكرار العمل الذي يقوم به آلاف المرات، لدرجة أنه أصبح مُسجلا عنده في عقله اللاواعي بسرعات كبيرة وسلاسة عالية، فيؤديه بكل احتراف وسرعة ودقة تذهل البشر ويقول العلماء أننا حتى اليوم لم نكتشف إلا جزءا يسيرا من قدرات العقل اللاواعي أحد أعظم أسرار تفوق الإنسان. بعد كل هذه المقدمة أين هو الرابط بين هذا النظام الهائل المسمى العقل اللاواعي ... وبين دائرة العبادات التي أشرت لها من المراقبة والتوبة والاستغفار ؟ إن التصميم المبني عليه هذا النظام المسمى العقل اللاواعي يقتضي منه أن يخزن كل تصرف أنت تقوم بها وتكرره، ولا يسألك أبدا لو كان هذا الفعل صحيحا أو خاطئا فهذه ليست مهمته بل مهمة العقل الواعي، فهو مجرد كمبيوتر تخزين وطيار آلي يحفظ الخطوات ويكررها بحذافيرها بسرعة وسلاسة، بالتالي لو تعودت على الصدق أو تعودت على الكذب هو لا يُفرِّق، لو تعودت على أكل الخضروات والطعام الصحي، أو تدخين السجائر وأكل الشحوم هو لا يُفرِّق، لو تعودت على الغضب أو على الحِلم هو لا يُفرِّق، لو تعودت على الاتقان أو على الإهمال هو لا يُفرق، لو تعودت على قيادة الطائرات أو لعب كرة القدم هو لا يسألك لماذا فعلت هذا وتركت هذا، العقل اللاواعي يقول لك مهمتي فقط أن أي فعل أو سلوك أو عادة أنت تريدها وتكررها بانتظام، أنا سأحفظها لك وأجعلها سهلة عليك وتفعلها بدون أي تفكير أو جهد. ولنضرب مثالا عمليا فعندما يسألك أحدهم: هل أنت ستصل لموعدنا بالوقت المحدد، فأنت ربما ستقول له نعم أكيد، بينما سيقوم الطيار الآلي بالعمل حسب ما هو مخزن في عقلك اللاواعي وسيُطبق ما خُزِّن فيه سابقا بغض النظر عن كلامك، فلو كنت تعوَّدت على فكرة أنه ليس بالضرورة الوصول في الموعد، وأن التأخير أمر مقبول بالنسبة لك، وكنت قد فعلت هذا مئات المرات قبل ذلك وتأخرت، بالتالي بشكل غير واعي ستجد أنك لم تصل للموعد بالوقت المحدد، لأنك انشغلت في عشرات التفاصيل، وليس عندك القدرة على ضبط وتقدير الوقت الصحيح لإنجاز أفعالك، وكل هذا سببه البرمجة الخاطئة للعقل اللاواعي، وطبعا العكس هو الصحيح أيضا لو كنت ملتزما بالمواعيد بشكل عام ومتعود على ذلك، فستجد أن كل أمورك تترتب وتقدر الأوقات بشكل دقيق، وتصل لمواعيدك دائما بشكل صحيح وحتى بدون أن تبذل أي جهد زائد لذلك، "إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم" فكل أفعالنا هي نتيجة لما تدربنا عليه مرارا وتكرارا.
وطبِّق هذه القاعدة على كل تصرفات حياتك مثل: الأكل، الشرب، النوم، التنفس، طريقة الكلام الغليظة أو اللطيفة، الغضب، التسرع، التخطيط، الفوضوية، الأمانة، الكذب، الغيبة، النميمة، الحقد، الحسد، التذمر، الحب، التوافق، الكره، التنافر، الإسراف، التبذير، التوفر، الاستثمار ، التفكير السلبي، وتوقع الأسوء، وآلاف التصرفات التي نفعلها يوميا، هي تشكلت بناء على ما تعودت وتربيت عليه في بيئتك وفي بيتك ومع أبيك وأمك وأصدقائك ومحيطك وعملك ومجتمعك. وهنا نأتي لبيان فائدة سلسلة العبادات التي هي طريقة النجاة الوحيدة المتاحة لنا لتنقية نظام العقل اللاواعي وإصلاحه وهي: أولا: عبادة المراقبة لأفعالك، فبعد أن مررت بيوم طويل أخذت فيه عشرات القرارات والتصرفات يجب أن تجلس في مكان هادئ بعد أداء صلاتك مثلا، وتفكر بهدوء وصراحة، ما هو الشيء الذي فعلته في يومي هو صحيح، يجب أن أعززه وأكافئ نفسي عنه (حتى ترفع من معنوياتك وتستعد للخطوة التالية) ؟، وهل هناك فعل خاطئ، يجب أن أصححه؟ وهل ما فعلته منسجم مع القيم والأخلاق والدين؟ ثم تأتي المرحلة التالية: ثانيا: المحاسبة، فتقول لنفسك لقد أخطئت يا نفسي، وما قمت به ليس هو الفطرة ولا الدين القويم، وضد مصالحي على المدى الطويل (فحبل الكذب قصير)، وقد تكون فعلته بشكل لا إرادي وربما بنية حسنة، ولكنه يبقى فعلا خاطئا ويجب التوقف عنه، حتى لا يتحول مع التكرار لعادة سيئة وهنا يصبح التخلص منه صعبا ويحتاج جهدا مضاعفا. ثالثا: تأتي مرحلة الاستغفار والتوبة: فتقول يارب أنا تبت إليك وأستغفرك، فأنت مصدر سعادتي ورضاي ورزقي وصحتي وجنتي، فمن المعيب علي وأنا عبدك أن أعصيك، وأنا كلي يقين أن ما فرضته علي، وما حرَّمته علي، هو لمصلحتي وصلاح أمري دنيا وآخرة. رابعا: تأخذ قرارك الجازم بالكف عن هذه الذنوب والمعاصي، ولا تيأس لو فعلتها بعد ذلك لعدة مرات فهذا شيء طبيعي، فالله يحب التوابين ويريد أن يسمعك تستغفر وتتوب ليتوب عليك فهو ربك المحب لك، وهو يعرف أن ترك السيئات يحتاج تدرجا وصبرا، وإياك أن تشعر بالهلع والرعب والقنوط من نفسك، واعلم أن الله سبحانه معك حتى وأنت مذنب لو صدقته التوبة، وتعال معي لتعرف الصورة الحقيقة للمولى سبحانه كما رسمها لنا رسول الله (بعيدا عن ما تم تصويره لنا من صورة مرعبة) قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته (من فرط حنانها وحبها مع أنه ليس ابنها)، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لله أرحم بعباده من هذه بولدها). ويجب أن ننتبه هنا لحقيقة نفسية ثابتة وهي ضرورة التدريج في التغيير، فالعادة السيئة قد تكون كررتها لسنوات طويلة، فأعط نفسك التدريج المناسب للتغيير (لو كنت لا تصلي مثلا وقررت الصلاة فتدرج وصلي مرتين في اليوم فقط، وبعد اسبوعين زدها لثلاث مرات، وبعد شهر أو شهرين ستجد أن من السهل الالتزام بالخمس صلوات، أما التحول القاسي بشكل مفاجئ لأداء العمل بشكل مثالي، سيعني ردة فعل قاسية غالبا واليأس وترك العمل كاملا، وهذه حقيقة فقهية وعلمية).
إذن عندما تحدد العادة التي تريد تركها فأعطي أمرا لعقلك اللاواعي أننا يجب أن نستبدل التصرف الخاطئ بعادة صحيحة جديدة، فمثلا اكتشفت أنك شخص مذنب بعادة سيئة وهو إخلاف المواعيد، فتقول لعقلك اللاواعي، أرجوك في المرة القادمة لو سألني أحدهم هل ستأتي للموعد، أو لو قلت لنفسي أنني سأفعل هذا في الوقت الفلاني، فسأكون صادقا مع نفسي ومع الآخرين، (لأن المبدأ واحد ولا يتجزأ)، وأعطي الآخرين ونفسك وقتا محددا واكتبه، والتزم به قدر استطاعتك، ومرة بعد مرة ستكتسب عادة الالتزام بالموعد، وتصبح جزءا من قيمك وأخلاقك تقوم بها بكل سهولة. والإسلام بين لنا العادات والأفعال السيئة والمحرمة، وقد اتفق معه فيها أغلب الديانات والملل في الدنيا، فانظر لقول رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) فهل يمكن لأي إنسان أن ينجح وهو يقوم بهذه العادات؟ إن اتباع هذه السلسلة من العبادات بهذا الفهم والحرص سيجعل هذا الإنسان وخلال سنوات قليلة، آية من الانضباط والالتزام والصدق والفاعلية، يستطيع اكتساب واتقان أي عادة ومهارة، والتخلص من أي عادة سلبية وليس عندي شك أن طريق النجاح والمال والإنجازات في الحياة مفتاحه التعامل مع الشخص الصادق الملتزم بكلامه ومواعيده، والأمين في سيرته، والمتقن في أعماله فهو يفعلها بكل سلاسة وسهولة وبراعة، فهو من يستحق أن نعمل معه كمجتمع ويكسب معنا ومن خلالنا الملايين، ويرتقي في كل درجات التميز والشهرة والقيادة، فهو يستحق ذلك عن جدارة، ولأن الله معه يرعاه ويحميه "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون". ختاما سأُقِّر لكم أن اكتساب هذه العبادات ليس بالأمر السهل، بل هو جهاد قاسي جدا على النفس البشرية التي تفضِّل الاستسهال وعدم الالتزام وأن تقوم بما تعودت عليه سابقا، لأن هذا يستهلك طاقة أقل في الدماغ كما ظهر في تصوير FMRI ، فعقلك مصمم ليصل للأهداف بأسهل طريقة وأوفر جهد ممكن، فاستغل هذه الميزة واجعل العادات الجيدة هي السهل والبسيط على الدماغ وليس العكس. وانتبه لأن الشيطان يَستغِّل نقطة الضعف البشرية هذه، وهي الإمكانية للبرمجة السلبية (والتي لولاها لكنا ملائكة وليس بشرا، وسينتفي المعنى من العقاب والجزاء والجنة والنار)، فيوسوس ويُزَيِّن لنا الأعمال السيئة: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)، حتى يجعلها جميلة في نظرنا فندمنها عبر خطوات متدرجة: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، فالأمر يحتاج تركيزا وتعبا دماغيا أول الأمر حتى يكتسب الإنسان العادات الحسنة، ويظل يرتقي فيها حتى تصبح خُلُقا وقيما ومبادئ راسخة عنده، فيكون حينها من الصديقين وأولياء الله الصالحين، الذين وصفهم سبحانه بقوله: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ** الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وأنا أدرك من واقع حياتي وتجربتي أن هذه المجاهدة للنفس واكتساب العادات هي عملية صعبة، وخصوصا في بعض العادات (احتجت مثلا لسنوات من التكرار والتجربة لأتعلم فن كتابة المقالة بشكل جيد وبسرعة كبيرة)، ولكنها تستحق التعب فهي طريق الإنسان للعظمة والإبداع وسبب سعادة الدنيا والنجاح فيها ماديا ومعنويا، وهي أيضا طريق الفوز في الآخرة ونعيمها.
عاداتك هي أهم وأخطر ما يُشكِّل حياتك، عاداتك قد تكون مفتاح شقائك أو تكون باب جنتك، شكرا لعلماء الأعصاب والتحليل النفسي، فقد سخركم الله لنا لنعرف عظمة الدين والأخلاق، وذلك فقط لمن فهم وطبق فهو التقي الذي سيحقق ما يريد مهما كان لونه أو جنسه أو ملته أو دينه. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ). فالتقوى هي عادات نافعة، تتقي بها من الوقوع في العادات السيئة والمحرمة، وقد عرفنا الطريقة إليها، فهيا بنا إلى تغيير حياتنا وبداية طريق العظمة.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق