نورالدين الأزرق يكتب: تحرير صرف الدرهم


ابتداء من بداية الشهر المقبل سيدخل قرار تحرير صرف الدرهم حيز التطبيق. ثلاث أسئلة، أعتقد أنه يجب طرحها ومقاربة الإجابة عليها: لماذا يحرر المغرب صرف عملته؟ هل يتوفر المغرب على محددات تحرير صرف عملته الوطنية؟ ماهي الاثار التي سيخلفها هذا التحرير على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد؟ 

قبل مقاربة الإجابة على هذه الأسئلة لابد من توضيح أمرين. الاول يتعلق بتحديد مفاهيمي وخصوصا ما يرتبط بمفهوم التعويم الذي يرتبط من جهة بلغة صحفية مشرقية مقتبسة من ما وقع بمصر ومن جهة ثانية هي ترجمة حرفية للمفهوم الفرنسي le flottement و هو مستمد من أن أي تحرير للعملة يجعلها غير مستقرة لسبب خضوعها لحركية السوق وهو ما يجعلها تعرف انخفاضا او ارتفاعا حسب الحالات في قيمتها. 
التوضيح الثاني مرتبط بطبيعة المجال وبكفاءة المتحدث. ففي طبيعة المجال لا يمكن من خلال تدوينة وان كانت مطولة ان ندخل في تفاصيل تقنية وحسابات اقتصادية أو بناء نموذج modélisation لتحديد الاثار او تقديم ارقام المحددات. وفي ما يرتبط بكفاءة المتحدث فعلي الاعتراف اولا انني لست مختصا في الاقتصاد النقدي وان كنت متوفرا على قدر بسيط من المعطيات والاليات التحليل الاقتصادي. 

1- لماذا على المغرب تحرير عملته الوطنية؟ 
هنا وجب القول اولا ان موضوع تحرير سعر صرف الدرهم كان دائما موضوعا على جدول اعمال مركز القرار الاقتصادي والنقدي بالمغرب وخصوصا بعد نهاية برنامج التقويم الهيكلي اي مند اوائل التسعينات. لم يكن الموضوع قرارا اراديا مغربيا بل كان بتحفيز من صندوق النقد الدولي وهو ما جعل هذه النقط تتراجع عندما انهى المغرب علاقاته وتدخلات الصندوق في قراره المالي مع حكومة التناوب وحكومة جطو اي على عهد وزير المالية فتح الله ولعلو من خلا اجراءات اقتصادية جعلت المغرب يحقق توازنات ماكرو اقتصادية بل وحتى فائض موازناتي خلال سنوات 2007 و2008 كما ان اجراء تغيير سلة صرف الدرهم دفعت في اتجاه خفوت هذا المطلب لدى المانحين الدوليين. 

غير انه مع عودة تدخل صندوق النقد الدولي من خلال خط الائتمان الذي تعاقدت حوله خكومة السيد عبد الاله بنكيران عاد الموضوع ليطرح بالحاح بل وكان شرطا اساسيا لخط الائتمان. 

وهذا الشرط هو الدي دفع بالقرار المتخد اليوم اكثر من غيره من المعطيات الاقتصادية الاخرى.

وهنا سؤال طويل عريض حول مفهوم السيادة المالية.

2- هل يتوفر المغرب على محددات تمكنه من تحرير صرف عملته؟
بشكل مقتضب ودون الدخول في التفاصيل التقنية والمحاسبية. يستلزم تحرير صرف عملة اي بلد توفر مقومات اقتصادية صلبة. تهم هده المحددات اربع مناحي اقتصادية واخر سياسي. 

المحدد الاول يهتم بتوفر البلد على مخطط لاستهداف التضخم le ciblage de l'inflation ويعني ان الراغب في تحرير صرف عملته عليه ان يتوفر على سياسة نقدية على المدى المتوسط والبعيد تمكن من جعل نسبة التضخم في حدود مقبولة اقتصاديا واجتماعيا وخصوصا التضخم الدي يكون مصدره حجم الكتلة النقدية المتداولة وسرعة تداولها. 
المغرب اليوم يتوفر على نسبة تضخم تصل في المعدل لاقل من 2% ولكنه لا يتوفر على مخطط لاستهداف التضخم اذا ما استثنينا قراءات بنك المغرب التي تقول بان النسبة ستبقى محصورة ما بين 1 و4 % في افق الاربع سنوات المقبلة.
 وهذا ليس مخططا للاستهداف بل توقع احصائي فقط.

العمل على تحرير صرف العملة في غياب هذا المخطط هو دفع، اذا ما انضاف إليه الفعل النفسي للفاعل الاقتصادي، بالدرهم الى خوض غمار المجهول وبل والادهى هو ارتكاب خطا استراتيجي من خلال اعتماد الظرفي (نسبة التضخم الحالية) من اجل بناء الاستراتيجي (الذي هو ثباتها في الافق المراد). بمعنى اوضح ان المقرر في تحرير صرف العملة يقبل اليوم بامكانية الاقتصاد الوطني على قبول نسبة تضخم تصل الى معدل 4% وما لذلك من اثار على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية وهو امر قد يؤدي الى ضعف الطلب الداخلي الذي حمى البلد من تاثيرات ازمة 2008 العالمية.

المحدد الثاني يعنى بالمدخرات من العملة الصعبة المتوفرة في المغرب. هذا المحدد وان كان يبدو ايجابيا في المرحلة الراهنة الا ان تحليل بنية تلك المدخرات يجعل منها موصومة بطابع la volatilité فهي في المجمل مكونة من الديون ومن تحويلات مغاربة الخارج اكثر منها مداخيل وعائدات سياسة اقتصادية مبنية على التصدير. فبناء المدخرات على عائدات المغاربة بالخارج يجعلها خاضعة لظرفية سوق الشغل عبر دول المهجر واعتماد الديون كمدخرات نقدية يمس بشكل اساسي من اشكال السيادة النقدية.

المحدد الثالث يقوم معطيات الميزان التجاري وميزان الاداءات والذي يقر الجميع بانه مختل لصالح الواردات في بنيته السلعية والمالية وهو عجز بنيوي لا يمكن تجاوزه الا من خلال سياسة اقتصادية معتمدة على التصنيع والتصدير وهي سياسة غير متوفرة اليوم. بل ولا يتوفر البلد حتى على تدابير القيام بها والحديث عن نمو صادرات المغرب وخصوصا من السيارات هو نوع من السراب لان المصدر ليس المغرب بل الشركات المصنعة فيه وبالتالي فان عائدات هذا التصدير لا تؤثر في ميزان الاداءات فعليا وهذا الامر يسري على مهن المغرب العالمية باكملها. 
كما ان المغرب وفي افق تحول نمودجه التنموي ملزم بالاستيراد وهو ما سيزيد من تعميق هذا العجز ولو على المدى المتوسط والقريب.

المحدد الرابع هو محدد يرتبط بالوضع السياسي والاجتماعي وهنا وان كان اعتبار الاستقرار السياسي احد دعائم جادبية المغرب الاقتصادية الا ان الهزات السياسية والاجتماعية التي عرفها من خلال البلوكاج الحكومي الذي دام خمسة اشهر وما عرفه من تاثير على الفاعل الاقتصادي بما فيه الادارة او من خلال ما يعرفه من حركات اجتماعية مطلبية كما هو الحال في الحراك الدي تعرفه الحسيمة والعديد من المناطق الاخرى وعم قدرة الحكومة على الاجابة عنها في اجل معقولة سيجعل من هده الجاذبية تنقص اكثر عند الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين والدوليين.
 كما ان الاثار الناجمة عن ارتفاع نسبة التضخم المحتمل سيرفع من وثيرة هاته الترددات الاجتناعية والهزات السياسية ومن قوتها. 

المحدد الخامس هو بنية النظام البنكي الذي يتميز بنوع من الاوليغوبولية اللاتنافسية وعدم قدرته على الاقل في الوضع الراهن على توفير ائتمانات لماوجهة هزات سعر الصرف على المستوى الدولي. ناهيك عن منهجه المضارباتي اكثر من توجهه لتمويل الاقتصاد .

3- ماهي الاثار المتوقعة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب؟
يجب الاعتراف هنا ان المنهجية التي اعتمدها مقرر تحرير العملة الوطنية والمبنية على التصاعدية والتدرج في الزمن وفي اسقف التحرير ستجعل من الاثار غير محسوسة بشكل مباشر في المرحلة الاولى لعملية التحرير بل وربما ستجعل من العنلية باكملها لا تتم الا على مسافة زمنية لن تقل عن 10 سنوات.
بالرغم من ذلك فان الاثار الاولية ستكون محسوسة على مستوى القدرة الشرائية للمواطن وخصوصا المرتبط استهلاكه بالسلع المستوردة او بالسلع المجمعة محليا والتي يدخل في تصنيعها مواد مستودة او راس مال ثابت اجنبي. 
كما انها ستمون محسوسة على مستوى ميزانية الدولة لما لتاثير التحرير على قيمة الديون وخدماتها وخصوصا الديون القصيرة الامد.
وختاما ستكون الاثار محسوسة على مستوى المقاولة الوطنية المرتبطة بالسواق الدولية وبجاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمارات الاجنبية.
الادهى من كل هذه التاثيرات هو غياب اي دراسة حول موضوع، على دراسة معلنة ومتواصل حولها، تاثير هدا القرار على المدى البعيد او المتوسط والقريب على السياسة الاقتصادية والمالية للبلاد بل وانه اتخد في ظل غياب اي التقائية بين هذه السياسات.


عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق