موسى الرمو يكتب: تراب في الدم



كنت كلما غافلت أمي، جلست في زاوية من بيتنا القديم، وبدأت بأكل التراب، كانت هذه عادة سائدة عند كل اﻷطفال، كان لترابنا طعم مختلف، حتى أمي كانت في فترة وحامها أثناء حملهابي تأكل قليلا من "البيلون"1" مثل أغلب نساء مدينتي،

كان التراب معقما لكل الجروح التي تصيبنا أثناء اللعب، ويوقف نزيفها،

هذا الكلام ذكرته للطبيب، عندما ظهرت نتائج التحليل وهي 
"تراب في الدم" وقد بدأ بالانخفاض،
ونقصانه قد يؤدي بالمريض الى الموت المفاجئ.
اقترح الطبيب وضعي في الحجر الصحي مع الكثير من حالات مشابهة لحالتي،

قال الطبيب خلال إسبوع تصلنا أول دفعة من التراب وسوف يخصصون لنا جرعات لحقننا به لترتفع نسبة التراب في الدم، 

وأكمل قائلا قد تم ّتكليف شركات مختصة بهذا المجال تعاملت مع متعهدين من داخل الوطن يصدّرون لنا التراب ﻷغراض إنسانية.

بقيت في الحجر مع الملايين من المصابين مثلي لسنوات، كان مكان الحجر جميلا ورائعا كله حدائق فيها زهور وأشجار مثمرة هي أيضا مثلي تعيش من ذات التراب المستورد، ومنحوتات و آثار من بلدي.

بعد سنين، أعلنو انتهاء الحجر، وتم ارتفاع نسبة التراب بدمنا نحن المحجور علينا،

في الصباح توافد الآلاف إلى مكاتب الطيران، والى البواخر والحافلات و القطارات، وكل وسائل النقل المتاحة،
كانت الناس تصافح بعضها حتى من دون معرفة سابقة، ويوزعون لبعضهم ابتسامات كانت الطوابير بالملايين كلهم يريدون الدخول، ولم ينتظروا البوابات كي تفتح، بل قطعنا اﻷسلاك الشائكة، وكسرنا البوابات وعدونا مسرعين. 
أحاط الناس بحدود الوطن مثل طوق ألماس يطوّق جيداَ جميلاَ،

وقف الناس عند آخر موطئ قدم بالدول المجاورة لبلدنا من الاتجاهات اﻷربعة، لم نجد تراباَ، كانت الماء تغمر كل أرض الوطن، بعد أن باعوا التراب وحفروا للعمق الذي طالت به آلياتهم حتى نبعت الماء وغمرت كامل مساحة الوطن،
ركضنا الى كافة اﻹتجاهات فلم نجد إلا الماء.

كانت كل وسائل النقل المؤدية الى الداخل هي عبارة عن سفن بدائية بسيطة، لم أعرف بالضبط مكان بيتي ولا مدينتي ولا حتى الاتجاهات، لم يبقى إلا الشمس دليل ولو استطاعوا بيعها لباعوها،
فكلّ المعالم تم هدمها و حفروا ما تحتها وبيعها،
استأنست بأناس كانوا عائمين، منهم من كان يبيع صفيحا مستوردا أو أخشاب لبناء سفينة أو أرضية لبناء كوخ، مقابل ماء صالحة للشرب أو حباة تراب،
كنت أحمل حفنة تراب وفرتها من جرعاتي عرضوا علي مقايضتها بصفيح أو خشب ﻷبني كوخا أو سفينة ﻷعيش فيها،

قررت أن أزرع بحفنة التراب ياسمينة،
 وأبقى عأئم في الماء تحت الشمس ربما تأقلمت ونبت لي زعانف، فحبة تراب الوطن باتت تساوي الحياة.
-----------------
شرح المفردات:
1- البيلون، هو تراب ناعم متماسك يستخرج من جرف نهر الفرات أو من جبل بريف حلب، يستخدم لعلاج البشرة من بعض اﻷمراض الجلدية ويعطيها نظارة ويستخدم لغيسل الشعر ويجعله ناعما.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق