وليد الحسين يكتب: جثةٌ هاربة


وداعاً أيها السفهاء.. 
هذا كان آخرَ ماسمعته من تلك الجثة الهامدة.. 
في المعتقل كان هناك الكثيرُ الكثيرُ من الجثث المرمية بجانبي ولاأدري ماالذي أتى بها إلى هنا.. 
جثثٌ محكومٌ عليها بالسجن المؤبد وأخرى بالإعدام شنقاً.. 
وأخرى بالسجن سنة.. 
وسنتين.. 
حتى عشر سنوات مع الأشغال الشاقة.. 
ووحدها جثتي من كانت تتحرك بين كل هذا الخراب.. 
تتحركُ بشكلٍ غريب.. 
مرة سيراً على الأقدام.. 
ومرة حبواً على ركبتيها.. 
وأحياناً زحفاً على بطنها.. 
ك الأفاعي تماماً.. 
كنت أتفقد الجثث واحدة تلو الأخرى.. 
أضع أذني اليسرى على بطونها الخاوية.. 
يا إلهي.. 
جميعها ماتت قهراً وجوعاً.. 
وحدها رائحةُ الملح من كانت تخرج من أفواههم اليابسة.. 
كل هذه الجثث تملك سجلاً حافلاً بالإجرام.. 
منها من كانت تفكر بصوتٍ عالٍ.. 
ومنها الآخر من كانت تقول لا.. 
لا للظلم.. 
لا للإستعباد.. 
لا.. 
لا لكل شيء يقتل الإنسان.. 
هذه الجثث تحديداً حرفان فقط جعلت منها كومة من الملح.. 
من الملح فقط.. 
###
في المعتقل كنت لا أملك دفتراً لأكتبَ  عليه كل هذا الإجرام.. 
كنت أستعين بالجثث لأدون عليها.. 
وكل ليلة أختار جثة كبيرة بعض الشيء.. 
وحين أنتهي من الكتابة عليها أقطع الأصابع وأحتفظ بها ومن ثم أغمر الجثة بالملح.. 
الأصابع كنت أستخدمها بدلاً من السجائر.. 
كل ليلة أفعل هكذا.. 
هكذا كنت أكتب بكل بساطة.. 
و أدخن الأصابع.. 
حتى جثتي كتبت عليها مايقارب العشرة آلاف كلمة آخرها كان.. 
أنا إنسان.. 
وعندما إنتهيت أيضاً قمت بقطع الأصابع لأدخنها لاحقاً.. 
###
في المعتقل كانت هناك الكثير من الجثث تجوبُ  مخيلتي وكلها ماتت في ظروفٍ غامضة إلا واحدة هربت.. 
حاولت أن ألحقَ بها علني أمسكها ولكنني فشلت.. 
هربت ولوّحت بكلتا يديها لجميع الجثث.. 
وداعاً أيها السفهاء..

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق