هيلانة الشيخ تكتب: اثنان لا يموتان؛ المعدة والفرج



عندما كنتُ طفلةً لم تَبزغ أعضاؤها، كانت تفتنني دمية " الباربي " وياطالما أمعنت النظر في تفاصيلها عاريةً، كنتُ مندهشة من نحولة خصرها وشموخ رأسها على جسدٍ مجسمٍ متناغمٍ بقدمين صغيرتين ونهدين متماسكين بغرور.. كانت مقياسًا للجمال في مُخيلة طفولتي الضيقة! 
وعندما شاهدت بعض الشعيرات تنمو على عانتي وعند الإبطين تيقنت أنّ أنوثتي بدأت تخترق طفولتي وتشق جسدي ، تنمو أعضائي مشبعةً بالرغبة، متعطشةً للضوء.. 
كنت ممتلئة البدن طرية اللّحم، غضّة الملمس، ملساء الجلد، بيضاء مشربةً بالورديّ الشفيف.. 
لكن تلك الدمية رسّخت داخلي معايير مختلفة أن القوام يزداد جمالًا كلما زاد نحولةً وطولًا، فأرهقني قِصر قامتي واللحم المتكدس بين فخذين، فقررت ممارسة الرياضة بِكثافة والامتناع عن الحلويات والأطعمة الدسمة وأدمنت القهوة بدون السّكر حتى التصقت بطني على ظهري  وبدت فقراتي واضحة مجسمّة كتمثالٍ من العاج، عدا العظمتين على كتفين ضيقين، مما رسم ملامحي الحّادة وأطلق تضاريسي للأمام .
وعمدًا؛ أرتدي فساتيني تشبه فساتينها وأتعنّى فتح التنّورة إلى آخرها. وبدأ الجميع يلقبونني بالباربي. 
كان نصرًا بالنسبة لي وهاجسًا لابد من تحضير تفاصيله، كدت أنسى آدميتي وانجرفت خلف صرعات الموضة والألوان الصاخبة وتولّعت بعرشٍ فانٍ وتجاهلت ممتلكاتي الأهم. 
ضيّعتُ الثلثين من عمري زحفًا وراء هذا العبث.
وعندما قرعت أجراس الشيخوخة ناقوسها وبدأت أفقد تماسكي؛ ارتخت بطني رغم محاولاتي الفاشلة وترهل نهداي وبدآ بالضمور.
لم يعد مجديًا تناول الأطعمة البحرية ولا كبسولات الرشاقة ولا ممارسة الرياضة والرقص وأُصبت بالخيبة ورضخت، تجنبت الظهور سنةً كاملةً ولجأت للعيادات الباهظة رغم خطورتها ولم يجدِ نفعًا.
حتى وقعت أسيرةً للعشق، وُلدت من جديد طفلةً برأسٍ وقلبٍ وجسدٍ مختلفٍ، خرجت من شرنقتي ، حلّقت كابنة العشرين، مارست الحب بشرهٍ ، خلعت الفساتين والألوان ، تجردت من كل المحظورات، تحررت من ثيابي وذكرياتي، أيقنت أنّي أجمل امرأةٍ ولن يخلق الله ندًا لي. 
هكذا حطّمت " الباربي " ودفنتها في سلّة النسيان حتى تربعت في صندوق العشق أسيرةً من جديد وأيقنت أنّ الأنثى خاوية بدون قيدٍ يكبح جوعها ويردع ضعفها اللعين.. 
أيقنت أن الجسد يتضور للجسد فترتوي أوراق الأنوثة ويُثمر القلب سعادة.




عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق