أرشد العاصي يكتب: فجيعة الرّيب



بعد توقّفٍ لسنواتٍ عدة عن التدخين، اليوم أشعلتُ أول سيجارة، يا لها من كمدٍ وكآبة. إن معظم الرفاقِ لا يفقهون غمّتي و حزني، إلى متى لا يعلمون بأن ليالي الوحيدين وحدها طويلة، ذاك الليل جزع السهارى وسرب الذكريات وضَنا العاشقين، وفي آخر محطة فيه ستبقى وحدكَ مع حطامكَ وغربتكَ وسقمكَ و وحدتكَ اللاذعة.

تلك الزهرة الغضّة كانت قصيدتي الأوحد وأدركتُ متأخراً بأن أول من يتخلّى عن الشاعر قصيدته، تتنكّر له مع أول إرتطام ـ مع أول إمتعاظ ـ مع أول شكّ. كان لا بدّ أن أكون صلباً على الأقل في مواجهة كلّ هذه الظنون المُستهجنة ـ قوياً جداً، صارماً بما فيه الكفاية لأنعزل عن العالم و أختلي بوحدتي مثل كل مرة وأتجرّع سموم عمري القصير.

عرفت أخيراً بأني لستُ كاتباً كما يقولون ـ أكتب فقط لأني أريدُ أن أبكي على روحي المغرورقة في بحيرة الجراح المتراكمة منذ شرارة الريب الأولى ـ وليس معي ما يكفي من العبرات الحارقة. 

في عزلتي تسير الحياة على مهل لأن أطرافها متورّمة ومتسعّرة بقبَس المآزق العويصة ـ لذا أني مرعبٌ كطفلٍ صغير ـ ويطوّقني الهولُ والتوجّس كي لا يستيقظ وحش التوهّم والمِرية. 

هي لا تدري حجم المعارك الجسيمة التي خضتها مع الحياة لأبدو أمامها بهذا السلام الغرّاء. وأنا في طريقي نحوها كم من المؤسف أن ألتقي على أطلالها السامقة بالخيبة ـ ألا أصمت كصخرةٍ عتيقة فور رؤية القلبِ في خانة الخيانة ـ إنّها هزيمة الأملِ في أسمج صورها، فكيف لا أشعر بالرّصاصات القائظة التي تضرّج بها عيوني طيلة الأيام.

أعوم بجَناني وأرى الذين عبروا لي بكرههم في الماضي، يا لرأفة هؤلاء ـ وعجباً لا ألمحُ شيئاً أقسى من الجبل الجليدي الذي سقط عليّ وعلى مُهجتي من قِبل التي أحبتّني يوماً ـ فقط لأني أحببتها بطُهر! 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق